والإياس من رحمة اللّه تعالى منهيّ عنه . وقد عدّه العلماء من الكبائر . قال ابن حجرٍ المكّيّ: عدّ ذلك كبيرةً هو ما أطبقوا عليه ، لما ورد فيه من الوعيد الشّديد . كقوله تعالى: { إنّه لا يَيْأسُ من رَوْحِ اللّه إلاّ القومُ الكافرون } ، وقوله تعالى: { وَمَنْ يقنطُ من رحمةِ ربّه إلاّ الضّالّون } . وروى ابن أبي حاتمٍ والبزّار عن ابن عبّاسٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل: ما الكبائر ؟ فقال: الشّرك باللّه ، والإياس من روح اللّه ، والأمن من مكر اللّه ، وهذا أكبر الكبائر » قيل: والأشبه أن يكون الحديث موقوفًا ، وبكونه أكبر الكبائر صرّح ابن مسعودٍ كما رواه عبد الرّزّاق والطّبرانيّ . ثمّ قال ابن حجرٍ: وإنّما كان اليأس من رحمة اللّه من الكبائر لأنّه يستلزم تكذيب النّصوص القطعيّة . ثمّ هذا اليأس قد ينضمّ إليه حالة هي أشدّ منه ، وهي التّصميم على عدم وقوع الرّحمة له ، وهذا هو القنوط ، بحسب ما دلّ عليه سياق الآية: { وإنْ مَسَّهُ الشّرُّ فيئوس قنوط } وتارةً ينضمّ إليه أنّه مع اعتقاده عدم وقوع الرّحمة له يرى أنّه سيشدّد عذابه كالكفّار . وهذا هو المراد بسوء الظّنّ باللّه تعالى .
وقد ورد النّهي عن اليأس من الرّزق في مثل قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لحبّةٍ وسواءٍ ابني خالد « لا تيأسا من الرّزق ما تهزهزت رءوسكما » .
وورد النّهي عن القنوط بسبب الفقر والحاجة أو حلول المصيبة في مثل قوله تعالى: { وإذا أَذَقْنَا النّاسَ رحمةً فَرِحُوا بها وإنْ تُصِبْهم سيّئةٌ بما قَدَّمَتْ أَيْدِيْهم إذا هم يَقْنطون أوَلم يَرَوْا أنَّ اللّه يَبْسُطُ الرّزقَ لمن يشاءُ وَيَقْدِرُ إنّ في ذلك لآياتٍ لِقَومٍ يؤمنون } .
وورد النّهي عن اليأس من مغفرة الذّنوب في قوله تعالى: { قلْ يا عبادِيَ الّذين أسْرَفُوا على أنفسِهم لا تَقْنَطُوا من رحمةِ اللّه إنَّ اللّه يَغْفِرُ الذّنوبَ جميعًا إنّه هو الغفورُ الرّحيمُ } .
فإنّ اللّه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، فرحمته وسعت كلّ شيءٍ . ومن أجل ذلك فالإنابة إلى اللّه تعالى مطلوبة ، وباب التّوبة إليه من الذّنوب جميعًا مفتوح للعبد ما لم يغرغر ، أي حين ييأس من الحياة .
فتوبة اليائس - وهي توبة من يئس من الحياة كالمحتضر - المشهور أنّها غير مقبولةٍ ، كإيمان اليائس . وهو قول الجمهور . وفرّق بعض الحنفيّة بين توبة اليائس وإيمان اليائس ، فقالوا بقبول الأوّل دون الثّاني ( ر: احتضار . توبة ) .
أمّا من مات على كفره فإنّه هو اليائس حقًّا من مغفرة اللّه ورحمته ، لقوله تعالى: { والّذين كفروا بآياتِ اللّه وَلِقَائِه أولئك يَئِسُوا من رحمتي وأولئك لهم عذابٌ أليم } ، بخلاف من مات على الإيمان فإنّ الرّحمة ترجى له .