28ـ إذا أصاب الثّوب من الدّم مقدار مقعّر الكفّ فأكثر وجب عند الحنفيّة غسله ، إذا كان الغسل مفيدًا ، بأن كان لا يصيبه مرّةً بعد أخرى ، حتّى لو لم تغسل وصلّت لا يجوز ، وإن لم يكن مفيدًا لا يجب ما دام العذر قائمًا . أي إن كان لو غسلت الثّوب تنجّس ثانيًا قبل الفراغ من الصّلاة ، جاز ألاّ تغسل ؛ لأنّ في إلزامها التّطهير مشقّةً وحرجًا . وإن كان لو غسلته لا يتنجّس قبل الفراغ من الصّلاة ، فلا يجوز لها أن تصلّي مع بقائه ، إلاّ في قولٍ مرجوحٍ . وعند الشّافعيّة إذا تحفّظت لم يضرّ خروج الدّم ، ولو لوّث ملبوسها في تلك الصّلاة خاصّةً . ولا يضرّ كذلك عند الحنابلة ؛ لقولهم: إن غلب الدّم وقطر بعد ذلك لم تبطل طهارتها .
متى يلزم المستحاضة أن تغتسل:
29 -نقل صاحب المغني في ذلك أقوالًا: الأوّل: تغتسل عندما يحكم بانقضاء حيضها أو نفاسها . وليس عليها بعد ذلك إلاّ الوضوء ويجزيها ذلك . وهذا رأي جمهور العلماء . « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيشٍ: إنّما ذلك عرقٌ وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت فدعي الصّلاة ، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدّم وصلّي ، وتوضّئي لكلّ صلاةٍ » قال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . ولحديث عديّ بن ثابتٍ عن أبيه عن جدّه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: تدع الصّلاة أيّام أقرائها ثمّ تغتسل وتصلّي ، وتتوضّأ لكلّ صلاةٍ » . الثّاني: أنّها تغتسل لكلّ صلاةٍ . روي ذلك عن عليٍّ وابن عمر وابن عبّاسٍ وابن الزّبير ، وهو أحد قولي الشّافعيّ في المتحيّرة ؛ لأنّ عائشة روت « أنّ أمّ حبيبة استحيضت ، فأمرها النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكلّ صلاةٍ » متّفقٌ عليه . إلاّ أنّ أصحاب القول الأوّل قالوا: إنّ ذكر الوضوء لكلّ صلاةٍ زيادةٌ يجب قبولها . ومن هنا قال المالكيّة والحنابلة: يستحبّ لها أن تغتسل لكلّ صلاةٍ . ويكون الأمر في الحديث للاستحباب . الثّالث: أنّها تغتسل لكلّ يومٍ غسلًا واحدًا ، روي هذا عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيّب . الرّابع: تجمع بين كلّ صلاتي جمعٍ بغسلٍ واحدٍ ، وتغتسل للصّبح .
وضوء المستحاضة وعبادتها:
30 -قال الشّافعيّ: تتوضّأ المستحاضة لكلّ فرضٍ وتصلّي ما شاءت من النّوافل ، لحديث فاطمة بنت أبي حبيشٍ السّابق ؛ ولأنّ اعتبار طهارتها ضرورةٌ لأداء المكتوبة ، فلا تبقى بعد الفراغ منها . وقال مالكٌ في أحد قولين: تتوضّأ لكلّ صلاةٍ ، واحتجّ بالحديث المذكور . فمالكٌ عمل بمطلق اسم الصّلاة ، والشّافعيّ قيّده بالفرض ؛ لأنّ الصّلاة عند الإطلاق تنصرف إلى الفرض ، والنّوافل أتباع الفرائض ؛ لأنّها شرعت لتكميل الفرائض جبرًا للنّقصان المتمكّن فيها ، فكانت ملحقةً بأجزائها ، والطّهارة الواقعة لصلاةٍ مفروضةٍ واقعةٌ لها بجميع أجزائها ، بخلاف فرضٍ آخر لأنّه ليس بتبعٍ ، بل هو أصلٌ بنفسه . والقول الثّاني للمالكيّة: أنّ تجديد الوضوء لوقت كلّ صلاةٍ مستحبٌّ ، وهو طريقة العراقيّين من المالكيّة . وعند الحنفيّة والحنابلة: تتوضّأ المستحاضة وأمثالها من المعذورين لوقت كلّ صلاةٍ مفروضةٍ ، وتصلّي به في الوقت ما شاءت من الفرائض والنّذور والنّوافل والواجبات ، كالوتر والعيد وصلاة الجنازة والطّواف ومسّ المصحف . واستدلّ الحنفيّة بقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيشٍ: « وتوضّئي لوقت كلّ صلاةٍ » . ولا ينتقض وضوء المستحاضة بتجدّد العذر ، بعد أن يكون الوضوء في حال سيلان الدّم . قال الحنفيّة: فلو توضّأت مع الانقطاع ثمّ سال الدّم انتقض الوضوء . ولو توضّأت من حدثٍ آخر - غير العذر - في فترة انقطاع العذر ، ثمّ سال الدّم انتقض الوضوء أيضًا . وكذا لو توضّأت من عذر الدّم ، ثمّ أحدثت حدثًا آخر انتقض الوضوء . بيان ذلك: لو كان معها سيلانٌ دائمٌ مثلًا ، وتوضّأت له ، ثمّ أحدثت بخروج بولٍ انتقض الوضوء .
31 -ثمّ اختلف الحنفيّة في طهارة المستحاضة ، هل تنتقض عند خروج الوقت ؟ أم عند دخوله ؟ أم عند كلٍّ من الخروج والدّخول ؟ قال أبو حنيفة ومحمّدٌ: تنتقض عند خروج الوقت لا غير ؛ لأنّ طهارة المعذور مقيّدةٌ بالوقت فإذا خرج ظهر الحدث . وقال زفر: عند دخول الوقت لا غير ، وهو ظاهر كلام أحمد ؛ لحديث « توضّئي لكلّ صلاةٍ » وفي روايةٍ « لوقت كلّ صلاةٍ » . وقال أبو يوسف: عند كلٍّ منهما ، أي للاحتياط . وهو قول أبي يعلى من الحنابلة . وثمرة الخلاف تظهر في موضعين: أحدهما: أن يوجد الخروج بلا دخولٍ ، كما إذا توضّأت في وقت الفجر ثمّ طلعت الشّمس ، فإنّ طهارتها تنتقض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّدٍ لوجود الخروج ، وعند زفر وأحمد لا تنتقض لعدم دخول الوقت ؛ لأنّ من طلوع الشّمس إلى الظّهر ليس بوقت صلاةٍ ، بل هو وقتٌ مهملٌ . والثّاني: أن يوجد الدّخول بلا خروجٍ ، كما إذا توضّأت قبل الزّوال ثمّ زالت الشّمس ، فإنّ طهارتها لا تنتقض عند أبي حنيفة ومحمّدٍ لعدم الخروج ، وعند أبي يوسف وزفر وأحمد تنتقض لوجود الدّخول . فلو توضّأت لصلاة الضّحى أو لصلاة العيد فلا يجوز لها أن تصلّي الظّهر بتلك الطّهارة ، على قول أبي يوسف وزفر وأحمد ، بل تنتقض الطّهارة لدخول وقت الظّهر . وأمّا على قول أبي حنيفة ومحمّدٍ فتجوز لعدم خروج الوقت . أمّا عند الشّافعيّة فينتقض وضوءها بمجرّد أداء أيّ فرضٍ ، ولو لم يخرج الوقت أو يدخل كما تقدّم . وأمّا عند المالكيّة فهي طاهرٌ حقيقةً على ما سبق .
برء المستحاضة وشفاؤها: