استقبال أهل المدينة وما في حكمها:
20 -ذهب الحنفيّة في الأصحّ ، وهو قولٌ للحنابلة إلى أنّ الواجب على أهل المدينة - كغيرها - الاجتهاد لإصابة جهة الكعبة ، وهو جارٍ مع الأصل في أمر القبلة .
وقال الحنفيّة في الرّاجح ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، وهو قولٌ للحنابلة ( وأرادوا بالمدنيّ من في مسجده صلى الله عليه وسلم أو قريبًا منه ) : يجب على المصلّي في المدينة إصابة عين القبلة « لثبوت محراب مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالوحي » ، فهو كما لو كان مشاهدًا للبيت ، بل أورد القاضي عياضٌ في الشّفاء أنّه رفعت له الكعبة حين بنى مسجده صلى الله عليه وسلم .
استقبال محاريب الصّحابة والتّابعين:
21 -ذهب الجمهور إلى أنّ محاريب الصّحابة ، كجامع دمشق ، وجامع عمرٍو بالفسطاط ، ومسجد الكوفة والقيروان والبصرة ، لا يجوز الاجتهاد معها في إثبات الجهة ، لكن لا يمنع ذلك من الانحراف اليسير يمنةً أو يسرةً ، ولا تلحق بمحاريب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز فيها أدنى انحرافٍ . وكذلك محاريب المسلمين ، ومحاريب جادّتهم أي معظم طريقهم وقراهم القديمة الّتي أنشأتها قرونٌ من المسلمين ، أي جماعاتٌ منهم صلّوا إلى هذا المحراب ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه طعن فيها ، لأنّها لم تنصب إلاّ بحضرة جمعٍ من أهل المعرفة بالأدلّة ، فجرى ذلك مجرى الخبر . لكن قال الحنابلة: إن فرض من كان فيها إصابة العين ببدنه بالتّوجّه إلى قبلته ، معلّلين ذلك باتّفاق الصّحابة عليه .
الإخبار عن القبلة:
22 -ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا لم يكن ثمّة محاريب منصوبةً في الحضر ، فيسأل من يعلم بالقبلة ممّن تقبل شهادته من أهل ذلك المكان ممّن يكون بحضرته .
أمّا غير مقبول الشّهادة ، كالكافر والفاسق والصّبيّ فلا يعتدّ بإخباره فيما هو من أمور الدّيانات ما لم يغلب على الظّنّ صدقه . وأمّا إذا لم يكن من أهل ذلك المكان فلأنّه يخبر عن اجتهادٍ ، فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره .
وأمّا إذا لم يكن بحضرته من أهل المسجد أحدٌ فإنّه يتحرّى ولا يجب عليه قرع الأبواب .
وأمّا في المفازة فالدّليل عليها النّجوم كالقطب ، وإلاّ فمن أهلها العالم بها ممّن لو صاح به سمعه ، والاستدلال بالنّجوم في المفازة مقدّمٌ على السّؤال ، والسّؤال مقدّمٌ على التّحرّي .
اختلاف المخبرين:
23 -صرّح الشّافعيّة عند اختلاف اثنين في الإخبار عن القبلة: أنّه يتخيّر فيأخذ بقول أحدهما ، وقيل: يتساقطان ويجتهد لنفسه ، ولا يأخذ بقول أحدهما إلاّ عند العجز عن الاجتهاد ، وفي هذه الحالة اضطرّ للأخذ بقول أحدهما ، أمّا في غير هذه الحالة فالمخبران اختلفا في علامةٍ واحدةٍ لعارضٍ فيها وهو موجبٌ للتّساقط .
وما صرّحوا به لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى .
أدلّة القبلة:
24 -سبق ما يتّصل بالاستدلال على القبلة بالمحاريب ، فإن لم توجد فهناك علاماتٌ يمكن الاعتماد عليها عند أهل الخبرة بها ، منها:
أ - النّجوم:
وأهمّها القطب ، لأنّه نجمٌ ثابتٌ ويمكن به معرفة الجهات الأربع ، وبذلك يمكن معرفة القبلة ولو على سبيل التّقريب . وتختلف قبلة البلاد بالنّسبة إليه اختلافًا كبيرًا .
ب - الشّمس والقمر:
يمكن التّعرّف بمنازل الشّمس والقمر على الجهات الأربع ، وذلك في أيّام الاعتدالين ( الرّبيعيّ والخريفيّ ) بالنّسبة للشّمس ، واستكمال البدر فيه بالنّسبة للقمر . وفي غير الاعتدالين ينظر إلى اتّجاه تلك المنازل ، وهو معروفٌ لأهل الخبرة فيرجع إليهم فيه ، وفي كتب الفقه تفاصيل عن ذلك . ويتّبع ذلك الاستدلال بمطالع الشّمس والقمر ومغاربهما .
ج - الإبرة المغناطيسيّة:
من الاستقراء المفيد لليقين تبيّن أنّها تحدّد جهة الشّمال تقريبًا ، وبذلك تعرف الجهات الأربع وتحدّد القبلة .
ترتيب أدلّة القبلة:
25 -ذكر الحنفيّة أنّ الدّليل على القبلة في المفاوز والبحار النّجوم كالقطب ، فإن لم يمكن لوجود غيمٍ أو لعدم معرفته بها فعليه أن يسأل عالمًا بها ، فإن لم يكن من يسأله أو لم يخبره المسئول عنها فيتحرّى . وذكر الشّافعيّة أنّه لو تعارضت الأدلّة على القبلة فينبغي تقديم خبر جمعٍ بلغ عددهم حدّ التّواتر ، لإفادته اليقين ، ثمّ الإخبار عن علمٍ برؤية الكعبة ، ثمّ رؤية المحاريب المعتمدة ، ثمّ رؤية القطب .
وأمّا بيت الإبرة فقد صرّح الشّافعيّة بأنّ المجتهد مخيّرٌ بينها وبين الاجتهاد . وأمّا الحنابلة فإنّهم قالوا: إنّ خبر المخبر عن يقينٍ مقدّمٌ على الاجتهاد .
تعلّم أدلّة القبلة:
26 -تعلّم العلامات الّتي تعرف بها القبلة مطلوبٌ شرعًا ، وقد صرّح الشّافعيّة في الأصحّ عندهم بأنّ هذا واجبٌ على سبيل الكفاية . وقد يصبح تعلّم هذه العلامات واجبًا عينيًّا ، كمن سافر سفرًا يجهل معه اتّجاه القبلة ، ويقلّ فيها العارفون بها ، وكانت عنده قدرةٌ على تعلّم هذه العلامات ، وكلّ ذلك تحقيقًا لإصابة القبلة . وهل يجوز تعلّمها من كافرٍ ؟ قواعد الشّريعة لا تمنع ذلك . لأنّه لا يعتمد عليه في اتّجاه القبلة ، وإنّما في معرفة العلامات الّتي لا يختلف فيها الكافر عن المسلم ، وذلك كتعلّم سائر العلوم .
الاجتهاد في القبلة:
27 -اتّفقت المذاهب الأربعة على وجوب الاجتهاد في القبلة في الجملة .