قال الشّافعيّة والحنابلة: إن فقد المصلّي ما ذكر من الرّؤية والمحاريب والمخبر وأمكنه الاجتهاد ، بأن كان بصيرًا يعرف أدلّة القبلة وجب عليه الاجتهاد وإن كان جاهلًا بأحكام الشّرع ، إذ كلّ من علم أدلّة شيءٍ كان مجتهدًا فيه ، ولأنّ ما وجب عليه اتّباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه ، وذكروا أيضًا أنّ من وجب عليه الاجتهاد حرم عليه التّقليد ، لأنّه يتمكّن من استقبالها بدليله . وقالوا: أنّه إذا ضاق عليه الوقت عن الاجتهاد صلّى حسب حاله ولا يقلّد ، كالحاكم لا يسعه تقليد غيره ، ولكنّه يعيد الصّلاة .
وصرّح ابن قدامة بأنّ شرط الاجتهاد لا يسقط بضيق الوقت مع إمكانه .
الشّكّ في الاجتهاد وتغيّره:
28 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تغيّر اجتهاد المجتهد عمل بالاجتهاد الثّاني حتمًا ، إن ترجّح على الأوّل ، وعمل بالأوّل إن ترجّح على الثّاني . وقال الحنابلة: وإن شكّ في اجتهاده لم يزل عن جهته ، لأنّ الاجتهاد ظاهرٌ فلا يزول عنه بالشّكّ . ولا يعيد ما صلّى بالاجتهاد الأوّل ، كالحاكم لو تغيّر اجتهاده في الحادثة الثّانية عمل فيها بالاجتهاد الثّاني ، ولم ينقض حكمه الأوّل بغير خلافٍ ، لأنّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد .
وذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المصلّي بالاجتهاد في القبلة إذا تحوّل رأيه استدار وبنى على ما مضى من صلاته . ولا فرق بين تغيّر اجتهاده في أثناء الصّلاة وبعدها ، فإن كان فيها استدار وبنى على ما مضى من صلاته ، حتّى إنّه لو صلّى أربع ركعاتٍ لأربع جهاتٍ بالاجتهاد جاز ، لأنّه مجتهدٌ أدّاه اجتهاده إلى جهةٍ ، فلم تجز له الصّلاة إلى غيرها ، كما لو أراد صلاةً أخرى ، وليس فيه نقضٌ لاجتهاده ، لأنّا لم نلزمه إعادة ما مضى ، وإنّما نلزمه العمل به في المستقبل .
أمّا عند المالكيّة فإن تبيّن لمن صلّى بالاجتهاد خطأ اجتهاده في الصّلاة يقينًا أو ظنًّا وهو في الصّلاة قطعها وجوبًا . أمّا بعد إتمام الصّلاة فإنّه يعيدها ندبًا لا وجوبًا . قياسًا على القاضي إذا تبيّن له خطأ الدّليل قبل بتّ الحكم ، فإنّه لا يجوز له الحكم باجتهاده الأوّل ، وإن حكم به نقض . أمّا إن شكّ وهو في الصّلاة فإنّه يتمّ صلاته على اجتهاده الأوّل .
الاختلاف في الاجتهاد في القبلة:
29 -ذهب الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه إذا اختلف اجتهاد مجتهدين لم يتّبع أحدهما صاحبه ولا يؤمّه ، لأنّ كلّ واحدٍ منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز الائتمام . وعند ابن قدامة أنّ قياس المذهب جواز ذلك . وهو مذهب أبي ثورٍ ، ذلك أنّ كلّ واحدٍ منهما يعتقد صحّة صلاة الآخر ، وأنّ فرضه التّوجّه إلى ما توجّه إليه ، فلم يمنع اختلاف الجهة الاقتداء به ، كالمصلّين حول الكعبة . ولو اتّفقا في الجهة واختلفا في الانحراف يمينًا أو شمالًا فالمذهب صحّة الائتمام بلا خلافٍ لاتّفاقهما في الجهة ، وهي كافيةٌ في الاستقبال . وقال الشّافعيّة: لو اجتهد اثنان في القبلة ، واتّفق اجتهادهما ، فاقتدى أحدهما بالآخر ، ثمّ تغيّر اجتهاد واحدٍ منهما لزمه الانحراف إلى الجهة الثّانية ، وينوي المأموم المفارقة وإن اختلفا تيامنًا وتياسرًا ، وذلك عذرٌ في المفارقة فلا تفوته فضيلة الجماعة ، ومحلّ ذلك حيث علم المأموم بانحراف إمامه ، فإن لم يعلم به إلاّ بعد السّلام فالأقرب وجوب الإعادة .
وقال الحنفيّة: لو سلّم الإمام فتحوّل رأي مسبوقٍ ولاحقٍ استدار المسبوق ، لأنّه منفردٌ فيما يقضيه ، واستأنف اللاّحق ، لأنّه مقتدٍ فيما يقضيه .
والمقتدي إذا ظهر له وراء الإمام أنّ القبلة غير الجهة الّتي يصلّي إليها الإمام لا يمكنه إصلاح صلاته ، لأنّه إن استدار خالف إمامه في الجهة قصدًا وهو مفسدٌ ، وإلاّ كان متمًّا صلاته إلى ما هو غير القبلة عنده وهو مفسدٌ أيضًا .
خفاء القبلة على المجتهد:
30 -خفاء القبلة على المجتهد إمّا أن يكون قبل الصّلاة أو في أثنائها ، وإمّا أن يكون قبل التّحرّي أو بعده ، وسنتناول بالبحث كلاًّ على حدةٍ .
خفاء القبلة قبل الصّلاة والتّحرّي:
31 -ذكر الحنفيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة أنّ من عجز عن معرفة القبلة بالاستدلال ، وخفيت عليه الأدلّة لفقدها أو لغيمٍ أو حبسٍ أو التباسٍ مع ظهورها ، حيث تعارضت عنده الأمارات ، فإنّه يتحرّى ويصلّي ، وتصحّ صلاته عندئذٍ ، لأنّه بذل وسعه في معرفة الحقّ مع علمه بأدلّته ، أشبه الحاكم إذا خفيت عليه النّصوص ، وقد روى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: « كنّا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجلٍ منّا حياله ، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل: { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } » وعرّف الحنفيّة التّحرّي بأنّه بذل الجهود لنيل المقصود . وأفاد ابن عابدين بأنّ قبلة التّحرّي مبنيّةٌ على مجرّد شهادة القلب من غير أمارةٍ ، وعبّر المالكيّة بأنّه يتخيّر جهةً من الجهات الأربع يصلّي إليها صلاةً واحدةً ، ولا إعادة لسقوط الطّلب عنه ، وهذا ما رجّحه ابن عابدين من الحنفيّة على قول بعضهم بتكرار الصّلاة إلى الجهات الأربع في حالة التّحرّي وعدم الرّكون إلى جهةٍ .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يصلّي كيف كان لحرمة الوقت ، ويقضي لندرته .
ترك التّحرّي: