فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 2053

32 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ العاجز عن معرفة القبلة بالأدلّة لا يجوز أن يشرع في الصّلاة دون أن يتحرّى وإن أصاب ، لتركه فرض التّحرّي ، إلاّ أنّه لا يعيد إن علم إصابته بعد فراغه اتّفاقًا عند الحنفيّة ، بخلافٍ إذا علم الإصابة قبل التّمام ، فإنّ صلاته تبطل لأنّه بني قويًّا على ضعيفٍ خلافًا لأبي يوسف . وعند المالكيّة أنّ المجتهد الّذي تخفى عليه أدلّة القبلة يتخيّر جهةً من الجهات الأربع ، ويصلّي إليها ويسقط عنه الطّلب لعجزه ،

وقال الشّافعيّة والحنابلة: يعيد من صلّى بلا تحرٍّ أو تعذّر عليه التّحرّي ، سواءٌ ظهر له الصّواب أثناء الصّلاة أو بعدها .

ظهور الصّواب للمتحرّي:

33 -ذكر الحنفيّة أنّ المتحرّي إن ظهر صوابه في أثناء الصّلاة فالصّحيح أنّها لا تفسد ، وعند بقيّة المذاهب لا خلاف في صحّتها . وعبارة البحر الرّائق: والصّحيح كما في المبسوط والخانيّة أنّه لا يلزمه استئناف الصّلاة ، لأنّ صلاته كانت جائزةً ما لم يظهر الخطأ ،

فإذا تبيّن أنّه أصاب لا يتغيّر حاله . وقيل: تفسد ، لأنّ افتتاح الصّلاة كان ضعيفًا ، وقد قوي حاله بظهور الصّواب ، ولا يبنى القويّ على الضّعيف .

التّقليد في القبلة:

34 -ذكر الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة أنّه لا يقلّد المجتهد مجتهدًا غيره ، لأنّ القدرة على الاجتهاد تمنع من التّقليد .

ومن علم أدلّة القبلة لا يجوز له أن يقلّد غيره مطلقًا ، وأمّا غير المجتهد فعليه أن يقلّد المجتهد ، لقوله تعالى: { فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون } . وإذا كان هناك أكثر من مجتهدٍ فالمقلّد له أن يختار أحدهم ، والأولى أن يختار من يثق به أكثر من غيره .

ترك التّقليد:

35 -ليس لمن فرضه التّقليد ووجد من يقلّده أن يستقبل بمجرّد ميل نفسه إلى جهة ، فقد ذكر الحنفيّة ، والمالكيّة: أنّه إن ترك التّقليد واختار له جهةً تركن لها نفسه وصلّى لها كانت صلاته صحيحةً إن لم يتبيّن خطؤه ، وزاد المالكيّة: فإن تبيّن الخطأ في الصّلاة قطعها حيث كان كثيرًا ، وإن تبيّن بعدها فقولان بالإعادة أبدًا أو في الوقت ، كما سيأتي في"تبيّن الخطأ في الصّلاة". وذهب الشّافعيّة والحنابلة أنّه تلزمه الإعادة مطلقًا وإن صادف القبلة .

استقبال الأعمى ومن في ظلمةٍ للقبلة:

36 -ذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّ الأعمى عليه أن يسأل عن القبلة ، لأنّ معظم الأدلّة تتعلّق بالمشاهدة . قال الحنفيّة: فإن لم يجد من يسأله عنها تحرّى ، وكذا لو سأله عنها فلم يخبره ، حتّى إنّه لو أخبره بعدما صلّى لا يعيد . ولو لم يسأله وتحرّى: إن أصاب جاز وإلاّ لا . ولو شرع في الصّلاة إلى غير القبلة فسوّاه رجلٌ إليها ، فإن كان وجد الأعمى وقت الشّروع من يسأله عنها فلم يسأله لم تجز صلاته ، وإلاّ بنى على ما مضى منها ، ولا يجوز لهذا الرّجل الاقتداء به . وذكر المالكيّة أنّه لا يجوز له تقليد المجتهد بل عليه أن يسأل عن الأدلّة عدلًا في الرّواية ليهتدي بها إلى القبلة .

تبيّن الخطأ في القبلة:

37 -أطلق الحنفيّة القول بأنّ المصلّي الّذي لم يشكّ في القبلة ولم يتحرّ إذا ظهر له خطؤه في القبلة وهو في الصّلاة فسدت صلاته ، بخلاف من خفيت عليه القبلة فشكّ فيها وتحرّى ، ثمّ ظهر له خطؤه وهو في الصّلاة استدار إلى الجهة الّتي انتهى إليها تحرّيه ، أمّا إذا ظهر له خطؤه بعد انتهاء الصّلاة فإنّ صلاته صحيحةٌ .

وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب الإعادة على المجتهد والمقلّد إذا كانت علامات القبلة ظاهرةً ثمّ تبيّن الخطأ فيها ، لأنّه لا عذر لأحدٍ في الجهل بالأدلّة الظّاهرة . أمّا دقائق علم الهيئة وصور النّجوم الثّوابت فهو معذورٌ في الجهل بها فلا إعادة عليه . ولم يفرّق الحنابلة والشّافعيّة في مقابل الأظهر عندهم بين ما إذا كانت الأدلّة ظاهرةً فاشتبهت عليه أو خفيت ، وبين ما إذا كانت أدلّةٌ خفيّةٌ ، لأنّه أتى بما أمر في الحالين وعجز عن استقبال القبلة في الموضعين فاستويا في عدم الإعادة .

أمّا في القول الأظهر للشّافعيّة فتلزمه الإعادة لأنّه أخطأ في شرطٍ من شروط الصّلاة .

العجز عن استقبال القبلة في الصّلاة:

38 -ذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّ من به عذرٌ حسّيٌّ يمنعه من الاستقبال كالمريض ، والمربوط يصلّي على حسب حاله ، ولو إلى غير القبلة ، لأنّ الاستقبال شرطٌ لصحّة الصّلاة وقد عجز عنه فأشبه القيام . واشترط الشّافعيّة ، والصّاحبان من الحنفيّة لسقوط القبلة عنه أن يعجز أيضًا عمّن يوجّهه ولو بأجر المثل ، كما استظهره . الشّيخ إسماعيل النّابلسيّ وابن عابدين . وبالنّسبة لإعادة الصّلاة فإنّ في ذلك خلافًا تفصيله في مباحث الصّلاة . وأمّا أبو حنيفة فذهب إلى أنّه لا يشترط ذلك ، لأنّ القادر بقدرة غيره عاجزٌ .

وبقولهما جزم في المنية والمنح والدّرّ والفتح بلا حكاية خلافٍ . ولو وجد أجيرًا بأجرة مثله فينبغي أن يلزمه استئجاره إذا كانت الأجرة دون نصف درهمٍ ، والظّاهر أنّ المراد به أجرة المثل كما فسّروه في التّيمّم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت