أمّا من به عذرٌ شرعيٌّ يمنعه من الاستقبال فقد تعرّض الفقهاء للصّور الآتية منه وهي: الخوف على النّفس ، وذكره الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وذلك كالخوف من سبعٍ وعدوٍّ ، فله حينئذٍ أن يتوجّه إلى جهةٍ قدر عليها ، ومثله الهارب من العدوّ راكبًا يصلّي على دابّته . وذكر الحنفيّة من صور العذر: الخوف من الانقطاع عن رفقته ، لما في ذلك من الضّرر . وذكر الشّافعيّة من ذلك: الاستيحاش وإن لم يتضرّر بانقطاعه عن رفقته . وذكر الحنفيّة والمالكيّة من الأعذار: الخوف من أن تتلوّث ثيابه بالطّين ونحوه لو نزل عن دابّته . واشترط الحنفيّة عجزه عن النّزول ، فإن قدر عليه نزل وصلّى واقفًا بالإيماء ، وإن قدر على القعود دون السّجود أومأ قاعدًا . وعدّ الحنفيّة والشّافعيّة من الأعذار: ما لو خاف على ماله - ملكًا أو أمانةً - لو نزل عن دابّته . وذكر الحنفيّة والشّافعيّة من الأعذار: العجز عن الرّكوب فيمن احتاج في ركوبه بعد نزوله للصّلاة إلى معينٍ ولا يجده ، كأن كانت الدّابّة جموحًا ، أو كان هو ضعيفًا فله ألاّ ينزل . ومن الأعذار: الخوف وقت التحام القتال ، فقد اتّفقت المذاهب الأربعة على أن يسقط شرط الاستقبال في حال المسايفة وقت التحام الصّفوف في شدّة الخوف إذا عجز المصلّي عنه . ولمعرفة ماهيّة هذا القتال ، وما يلحق به ، ووقت صلاته ، وإعادتها حين الأمن ، وبقيّة أحكامها ( ر: صلاة الخوف ) .
استقبال المتنفّل على الرّاحلة في السّفر:
39 -اتّفق الفقهاء على جواز التّنفّل على الرّاحلة في السّفر لجهة سفره ولو لغير القبلة ولو بلا عذرٍ ، لأنّه صلى الله عليه وسلم: « كان يصلّي على راحلته في السّفر حيثما توجّهت به » وفسّر قوله تعالى: { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } بالتّوجّه في نفل السّفر . وفي الشّروط المجوّزة لذلك خلافٌ فصّله الفقهاء في مبحث صلاة المسافر ، والصّلاة على الرّاحلة .
استقبال المتنفّل ماشيًا في السّفر:
40 -مذهب أبي حنيفة ، ومالكٍ ، وإحدى الرّوايتين عن أحمد ، وهو كلام الخرقيّ من الحنابلة: أنّه لا يباح للمسافر الماشي الصّلاة في حال مشيه ، لأنّ النّصّ إنّما ورد في الرّاكب ، فلا يصحّ قياس الماشي عليه ، لأنّه يحتاج إلى عملٍ كثيرٍ ، ومشيٌ متتابعٌ ينافي الصّلاة فلم يصحّ الإلحاق . ومذهب عطاءٍ ، والشّافعيّ ، وهو ثانية الرّوايتين عن أحمد اختارها القاضي من الحنابلة: أنّ له أن يصلّي ماشيًا قياسًا على الرّاكب ، لأنّ المشي إحدى حالتي سير المسافر ، ولأنّهما استويا في صلاة الخوف فكذا في النّافلة .
والمعنى فيه أنّ النّاس محتاجون إلى الأسفار ، فلو شرطا فيها الاستقبال للتّنفّل لأدّى إلى ترك أورادهم أو مصالح معايشهم . ومذهب الحنابلة ، والأصحّ عند الشّافعيّة: أنّ عليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصّلاة ، ثمّ ينحرف إلى جهة سيره ، قال الشّافعيّة: ولا يلزمه الاستقبال في السّلام على القولين .
استقبال المفترض على السّفينة ونحوها:
41 -اتّفقت المذاهب الأربعة على وجوب استقبال المفترض على السّفينة في جميع أجزاء صلاته ، وذلك لتيسّر الاستقبال عليه . ونصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على أنّه يدور معها إذا دارت . وتفصيل ذلك في مصطلح: ( الصّلاة في السّفينة ) .
استقبال القبلة في غير الصّلاة:
42 -قرّر الفقهاء أنّ جهة القبلة هي أشرف الجهات ، ولذا يستحبّ المحافظة عليها حين الجلوس ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّ سيّد المجالس ما استقبل القبلة » . قال صاحب الفروع: ويتّجه في كلّ طاعةٍ إلاّ لدليلٍ . وقد يكون المراد من التّوجّه إليها تغليط الأمر وإلقاء الرّهبة في قلب من طلب منه التّوجّه إليها ، كما في تغليظ القاضي اليمين على حالفها بذلك ( ر: إثباتٌ ف 26 ) . على أنّه قد يعرض للإنسان أحوالٌ ترفع هذا الاستحباب ، بل قد يكون استقبالها حرامًا أو مكروهًا ( ر: قضاء الحاجة . استنجاءٌ ) .
والجمهور على أنّ زائر قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستدبر القبلة ويستقبل القبر الشّريف .
استقبال غير القبلة في الصّلاة:
43 -الأصل في استقبال المصلّي للأشياء الإباحة ، ما دام متوجّهًا إلى جهة القبلة ، لكن هناك أشياء معيّنةٌ نهي المصلّي عن أن يجعلها أمامه لاعتباراتٍ خاصّةٍ فيها ، كأن يكون في وجودها أمامه تشبّهٌ بالمشركين ، كما في الصّنم والنّار والقبر ، أو لكونها قذرةً أو نجسةً يصان وجه المصلّي ونظره عنها ، كما في الصّلاة إلى الحشّ والمجزرة ، أو قد يكون أمامه ما يشوّش عليه فكره كما في الصّلاة إلى الطّريق . وقد تناولها الفقهاء بالبحث في الكلام على مكروهات الصّلاة . وقد يكون ذلك الشّيء الّذي أمام المصلّي أمرًا مرغوبًا فيه ، لكونه علامةً على موضع سجوده لمنع المارّين من المرور فيما بينه وبينه ، كما في الصّلاة إلى السّترة . وقد بحثها الفقهاء ضمن سنن الصّلاة .
استقبال غير القبلة في غير الصّلاة:
44 -الأصل في توجّه الإنسان إلى الأشياء في غير الصّلاة الإباحة أيضًا ، ولكن قد يطلب التّوجّه إلى المواطن الشّريفة في الأحوال الشّريفة طلبًا لخيرها وفضلها ، كاستقبال السّماء بالبصر وببطون الكفّين في الدّعاء .
كما يطلب عدم التّوجّه إليها في الأحوال الخسيسة ، كاستقبال قاضي الحاجة بيت المقدس أو المصحف الشّريف ( ر: قضاء الحاجة ) . وقد يطلب تجنّب استقبالها صيانةً له عنها لنجاستها أو حفظًا لبصره عن النّظر إليها ، كاستقبال قاضي الحاجة مهبّ الرّيح ، واستقبال المستأذن للدّخول باب المكان الّذي يريد الدّخول إليه .