13 -وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الاستماع والإنصات أثناء الخطبة سنّةٌ ، ولا يحرم الكلام ، بل يكره ، وحكى ذلك النّوويّ عن عروة بن الزّبير ، وسعيد بن جبيرٍ ، والشّعبيّ ، والنّخعيّ ، والثّوريّ ، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد . واستدلّوا على الكراهة بالجمع بين حديث: « إذا قلت لصاحبك: أنصت ، فقد لغوت » وخبر الصّحيحين عن أنسٍ: « فبينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللّه ، هلك المال وجاع العيال فادع لنا أن يسقينا . قال: فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يديه وما في السّماء قزعةٌ ... » وإن عرض له ناجزٌ كتعليم خيرٍ ، ونهيٍ عن منكرٍ ، وإنذار إنسانٍ عقربًا ، أو أعمى بئرًا لم يمنع من الكلام ، لكن يستحبّ أن يقتصر على الإشارة إن أغنت ، ويباح له - أي الكلام - بلا كراهةٍ . ويباح الكلام عند الشّافعيّة للدّاخل في أثناء الخطبة ما لم يجلس ، كما صرّحوا بأنّه لو سلّم داخلٌ على مستمع الخطبة وهو يخطب ، وجب الرّدّ عليه بناءً على أنّ الإنصات سنّةٌ ، ويستحبّ تشميت العاطس إذا حمد اللّه ، لعموم الأدلّة ، وإنّما لم يكره كسائر الكلام لأنّ سببه قهريٌّ .
14 -وذهب الحنابلة والشّافعيّة إلى أنّ للبعيد الّذي لا يسمع صوت الخطيب أن يقرأ القرآن ، ويذكر اللّه تعالى ، ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غير أن يرفع صوته ، لأنّه إن رفع صوته منع من هو أقرب منه من الاستماع ، وهذا مرويٌّ عن عطاء بن أبي رباحٍ ، وسعيد بن جبيرٍ ، وعلقمة بن قيسٍ ، وإبراهيم النّخعيّ ، حتّى قال النّخعيّ: إنّي لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة . وسأل إبراهيم النّخعيّ علقمة: أقرأ في نفسي أثناء الخطبة ؟ فقال علقمة: لعلّ ذلك ألاّ يكون به بأسٌ .
ب - استماع صوت المرأة:
15 -إذا كان مبعث الأصواتس هو الإنسان ، فإنّ هذا الصّوت إمّا أن يكون غير موزونٍ ولا مطربٍ ، أو يكون مطربًا . فإن كان الصّوت غير مطربٍ ، فإمّا أن يكون صوت رجلٍ أو صوت امرأةٍ ، فإن كان صوت رجلٍ: فلا قائل بتحريم استماعه .
أمّا إن كان صوت امرأةٍ ، فإن كان السّامع يتلذّذ به ، أو خاف على نفسه فتنةً حرم عليه استماعه ، وإلاّ فلا يحرم ، ويحمل استماع الصّحابة رضوان الله عليهم أصوات النّساء حين محادثتهنّ على هذا ، وليس للمرأة ترخيم الصّوت وتنغيمه وتليينه ، لما فيه من إثارة الفتنة ، وذلك لقوله تعالى: { فلا تخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرضٌ } .
وأمّا إن كان الصّوت مطربًا فهذا الغناء استماعٌ ، وفيما يلي تفصيل القول فيه:
ج - الاستماع إلى الغناء:
16 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ استماع الغناء يكون محرّمًا في الحالات التّالية:
أ - إذا صاحبه منكرٌ .
ب - إذا خشي أن يؤدّي إلى فتنةٍ كتعلّقٍ بامرأةٍ ، أو بأمرد ، أو هيجان شهوةٍ مؤدّيةٍ إلى الزّنى .
ج - إن كان يؤدّي إلى ترك واجبٍ دينيٍّ كالصّلاة ، أو دنيويٍّ كأداء عمله الواجب عليه ، أمّا إذا أدّى إلى ترك المندوبات فيكون مكروهًا . كقيام اللّيل ، والدّعاء في الأسحار ونحو ذلك .
الغناء للتّرويح عن النّفس:
أمّا إذا كان الغناء بقصد التّرويح عن النّفس ، وكان خاليًا عن المعاني السّابقة فقد اختلف فيه ، فمنعه جماعةٌ وأجازه آخرون .
17 -وقد ذهب عبد اللّه بن مسعودٍ إلى تحريمه ، وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق ، منهم إبراهيم النّخعيّ ، وعامر الشّعبيّ ، وحمّاد بن أبي سليمان ، وسفيان الثّوريّ ، والحسن البصريّ ، والحنفيّة ، وبعض الحنابلة . واستدلّ هؤلاء على التّحريم: - بقوله تعالى: { ومن النّاس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه } قال ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ: لهو الحديث هو: الغناء . وبحديث أبي أمامة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع المغنّيات ، وعن شرائهنّ ، وعن كسبهنّ ، وعن أكل أثمانهنّ » . وبحديث عقبة بن عامرٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « كلّ شيءٍ يلهو به الرّجل فهو باطلٌ ، إلاّ تأديبه فرسه ، ورميه بقوسه ، وملاعبته امرأته » .
18 -وذهب الشّافعيّة ، والمالكيّة ، وبعض الحنابلة إلى أنّه مكروهٌ ، فإن كان سماعه من امرأةٍ أجنبيّةٍ فهو أشدّ كراهةً ، وعلّل المالكيّة الكراهة بأنّ سماعه مخلٌّ بالمروءة ، وعلّلها الشّافعيّة بقولهم: لما فيه من اللّهو . وعلّلها الإمام أحمد بقوله: لا يعجبني الغناء لأنّه ينبت النّفاق في القلب .
19 -وذهب عبد اللّه بن جعفرٍ ، وعبد اللّه بن الزّبير ، والمغيرة بن شعبة ، وأسامة بن زيدٍ ، وعمران بن حصينٍ ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وغيرهم من الصّحابة ، وعطاءٌ بن أبي رباحٍ ، وبعض الحنابلة منهم أبو بكرٍ الخلاّل ، وصاحبه أبو بكرٍ عبد العزيز ، والغزاليّ من الشّافعيّة إلى إباحته . واستدلّوا على ذلك بالنّصّ والقياس . أمّا النّصّ: فهو ما أخرجه البخاريّ ومسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها قالت: « دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاثٍ ، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ، ودخل أبو بكرٍ فانتهرني وقال: مزمارة الشّيطان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما ، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا » . ويقول عمر بن الخطّاب:"الغناء زاد الرّاكب"فقد روى البيهقيّ في سننه: أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان يستمع إلى غناء خوّاتٍ ، فلمّا كان السّحر قال له:"ارفع لسانك يا خوّات ، فقد أسحرنا"