16 -المذي نجسٌ عند الحنفيّة ، فهو ممّا يستنجى منه كغيره ، بالماء أو بالأحجار . ويجزئ الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه . وكذلك عند المالكيّة في قولٍ هو خلاف المشهور عندهم ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وروايةٌ عند الحنابلة . أمّا في المشهور عند المالكيّة ، وهي الرّواية الأخرى عند الحنابلة ، فيتعيّن فيه الماء ولا يجزئ الحجر ، لما روي أنّ عليًّا رضي الله عنه قال: « كنت رجلًا مذّاءً ، فاستحيت أن أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله ، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضّأ » . وفي لفظٍ « يغسل ذكره ويتوضّأ » . وإنّما يتعيّن فيه الغسل عند المالكيّة إذا خرج بلذّةٍ معتادةٍ ، أمّا إن خرج بلا لذّةٍ أصلًا فإنّه يكفي فيه الحجر ، ما لم يكن يأتي كلّ يومٍ على وجه السّلس ، فلا يطلب في إزالته ماءٌ ولا حجرٌ ، بل يعفى عنه .
الودي:
17 -الودي خارجٌ نجسٌ ، ويجزي فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب الأربعة .
الرّيح:
18 -لا استنجاء من الرّيح . صرّح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة . فقال الحنفيّة: هو بدعةٌ ، وهذا يقتضي أنّه عندهم محرّمٌ ، ومثله ما قاله القليوبيّ من الشّافعيّة ، بل يحرم ، لأنّه عبادةٌ فاسدةٌ . ويكره عند المالكيّة والشّافعيّة . قال الدّسوقيّ: لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « ليس منّا من استنجى من ريحٍ » والنّهي للكراهة . وقال صاحب نهاية المحتاج من الشّافعيّة: لا يجب ولا يستحبّ الاستنجاء من الرّيح ولو كان المحلّ رطبًا . وقال ابن حجرٍ المكّيّ: يكره من الرّيح إلاّ إن خرجت والمحلّ رطبٌ . والّذي عبّر به الحنابلة: أنّه لا يجب منها ، ومقتضى استدلالهم الآتي الكراهة على الأقلّ . قال صاحب المغني: للحديث « من استنجى من ريحٍ فليس منّا » رواه الطّبرانيّ في معجمه الصّغير .
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم } . الآية إذا قمتم من النّوم . ولم يأمر بغيره ، يعني فلو كان واجبًا لأمر به ، لأنّ النّوم مظنّة خروج الرّيح ، فدلّ على أنّه لا يجب ، ولأنّ الوجوب من الشّرع ، ولم يرد بالاستنجاء هاهنا نصٌّ ، ولا هو في معنى المنصوص عليه ، لأنّ الاستنجاء شرع لإزالة النّجاسة ، ولا نجاسة هاهنا .
الاستنجاء بالماء:
19 -يستحبّ باتّفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء . وقد ورد عن بعض الصّحابة والتّابعين إنكار الاستنجاء به ، ولعلّ ذلك لأنّه مطعومٌ .
والحجّة لإجزاء استعمال الماء ما روى أنس بن مالكٍ قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء ، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماءٍ وعنزةً ، فيستنجي بالماء » متّفقٌ عليه . وعن « عائشة أنّها قالت: مرن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء فإنّي أستحييهم ، وإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعله » . وقد حمل المالكيّة ما ورد عن السّلف من إنكار استعمال الماء بأنّه في حقّ من أوجب استعمال الماء . وحمل صاحب كفاية الطّالب ما ورد عن سعيد بن المسيّب من قوله: وهل يفعل ذلك إلاّ النّساء ؟ على أنّه من واجبهنّ .
الاستنجاء بغير الماء من المائعات:
20 -لا يجزئ الاستنجاء بغير الماء من المائعات على قول الجمهور: المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو روايةٌ عن محمّد بن الحسن تعدّ ضعيفةً في المذهب . قال المالكيّة: بل يحرم الاستنجاء بمائعٍ غير الماء لنشره النّجاسة . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يمكن أن يتمّ الاستنجاء - كما في إزالة النّجاسة - بكلّ مائعٍ طاهرٍ مزيلٍ ، كالخلّ وماء الورد ، دون ما لا يزيل كالزّيت ، لأنّ المقصود قد تحقّق ، وهو إزالة النّجاسة . ثمّ قد قال ابن عابدين: يكره الاستنجاء بمائعٍ غير الماء ، لما فيه من إضاعة المال بلا ضرورةٍ .
أفضليّة الغسل بالماء على الاستجمار:
21 -إنّ غسل المحلّ بالماء أفضل من الاستجمار ، لأنّه أبلغ في الإنقاء ، ولإزالته عين النّجاسة وأثرها . وفي روايةٍ عن أحمد: الأحجار أفضل ، ذكرها صاحب الفروع . وإذا جمع بينهما بأن استجمر ثمّ غسل كان أفضل من الكلّ بالاتّفاق . وبيّن النّوويّ وجه الأفضليّة بقوله: تقديم الأحجار لتقلّ مباشرة النّجاسة واستعمال الماء ، فلو استعمل الماء أوّلًا لم يستعمل الحجارة بعده ، لأنّه لا فائدة فيه . وعند الحنابلة التّرتيب بتقديم الاستجمار على الغسل مستحبٌّ ، وإن قدّم الماء وأتبعا الحجارة كره ، لقول عائشة: « مرن أزواجكنّ أن يتبعوا الحجارة الماء فإنّي أستحييهم ، وإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعله » . وعند الحنفيّة قيل: الغسل بالماء سنّةٌ ، وقيل: الجمع سنّةٌ في زماننا . وقيل: سنّةٌ على الإطلاق ، وهو الصّحيح وعليه الفتوى كما في البحر الرّائق . هذا وقد احتجّ الخرشيّ وغيره على أفضليّة الجمع بين الماء والحجر بأنّ أهل قباء كانوا يجمعون بينهما ، فمدحهم اللّه تعالى بقوله: { إنّ اللّه يحبّ التّوّابين ويحبّ المتطهّرين } وحقّق النّوويّ أنّ الرّواية الصّحيحة في ذلك ليس فيها أنّهم كانوا يجمعون بينهما ، وإنّما فيها أنّهم يستنجون بالماء .
ما يستجمر به: