فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 2053

22 -الاستجمار يكون بكلّ جامدٍ إلاّ ما منع منه وسيأتي تفصيله ، وهذا قول جمهور العلماء ، ومنهم الإمام أحمد في الرّواية المعتمدة عنه ، وهو الصّحيح من مذهب الحنابلة . وفي روايةٍ عن أحمد اختارها أبو بكرٍ: لا يجزئ في الاستجمار شيءٌ من الجوامد من خشبٍ وخرقٍ إلاّ الأحجار ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار » ، وأمره يقتضي الوجوب ، ولأنّه موضع رخصةٍ ورد فيها الشّرع بآلةٍ مخصوصةٍ ، فوجب الاقتصار عليها ، كالتّراب في التّيمّم . والدّليل لقول الجمهور: ما روى أبو داود عن خزيمة قال: « سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ » فلولا أنّه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرّجيع ، لأنّه لا يحتاج لذكره ، ولم يكن لتخصيص الرّجيع بالذّكر معنًى . وعن سلمان قال «: قيل له: قد علّمكم نبيّكم كلّ شيءٍ حتّى الخراء قال: فقال: أجل ، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ أو بولٍ ، أو أن نستنجي باليمين . أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجارٍ ، أو أن نستنجي برجيعٍ أو عظمٍ » 0 وفارق التّيمّم ، لأنّ القصد هنا إزالة النّجاسة ، وهي تحصل بغير الأحجار ، أمّا التّيمّم فهو غير معقول المعنى .

الاستجمار هل هو مطهّرٌ للمحلّ ؟

23 -اختلف الفقهاء في هذا على قولين:

الأوّل: أنّ المحلّ يصير طاهرًا بالاستجمار ، وهو قولٌ عند كلٍّ من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . قال ابن الهمام: والّذي يدلّ على اعتبار الشّرع طهارته أنّه صلى الله عليه وسلم « نهى أن يستنجى بروثٍ أو عظمٍ ، وقال: إنّهما لا يطهّران » فعلم أنّ ما أطلق الاستنجاء به يطهّر ، إذ لو لم يطهّر لم يطلق الاستنجاء به لهذه العلّة . وكذلك قال الدّسوقيّ المالكيّ: يكون المحلّ طاهرًا لرفع الحكم والعين عنه .

والقول الثّاني: وهو القول الآخر لكلٍّ من الحنفيّة والمالكيّة ، وقول المتأخّرين من الحنابلة: أنّ المحلّ يكون نجسًا معفوًّا عنه للمشقّة . قال ابن نجيمٍ: ظاهر ما في الزّيلعيّ أنّ المحلّ لا يطهر بالحجر . وفي كشّاف القناع للحنابلة: أثر الاستجمار نجسٌ يعفى عن يسيره في محلّه للمشقّة . وفي المغني: وعليه لو عرق كان عرقه نجسًا .

24 -وجمهور الفقهاء على أنّ الرّطوبة إذا أصابت المحلّ بعد الاستجمار يعفى عنها .

قال ابن نجيمٍ من الحنفيّة: بناءً على القول بأنّ المحلّ بعد الاستجمار نجسٌ معفوٌّ عنه ، يتفرّع عليه أنّه يتنجّس السّبيل بإصابة الماء . وفيه الخلاف المعروف في مسألة الأرض إذا جفّت بعد التّنجّس ثمّ أصابها الماء ، وقد اختاروا في الجميع عدم عود النّجاسة ، فليكن كذلك هنا . ثمّ نقل عن ابن الهمام قوله: أجمع المتأخّرون - أي من الحنفيّة - على أنّه لا ينجس المحلّ بالعرق ، حتّى لو سال العرق منه ، وأصاب الثّوب والبدن أكثر من قدر الدّرهم لا يمنع ( أي لا يمنع صحّة الصّلاة ) .

ونقل القرافيّ عن صاحب الطّراز وابن رشدٍ: يعفى عنه لعموم البلوى . قال: وقد عفي عن ذيل المرأة تصيبه النّجاسة ، مع إمكان شيله ، فهذا أولى ، ولأنّ الصّحابة رضي الله عنهم كانوا يستجمرون ويعرقون . والقول الآخر: قاله الشّافعيّة ، وابن القصّار من المالكيّة: لا ينجس إن لم تتعدّ الرّطوبة محلّ الاستجمار ، وينجس إن تعدّت النّجاسة محلّ العفوّ .

المواضع الّتي لا يجزئ فيها الاستجمار:

أ - النّجاسة الواردة على المخرج من خارجه:

25 -إن كان النّجس طارئًا على المحلّ من خارجٍ أجزأ فيه الاستجمار في المشهور عند الحنفيّة . وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ الحجر لا يجزئ فيه ، بل لا بدّ من غسله بالماء . وهو قولٌ آخر للحنفيّة . ومثله عند الشّافعيّة ، ما لو طرأ على المحلّ المتنجّس بالخارج طاهرٌ رطبٌ ، أو يختلط بالخارج كالتّراب . ومثله ما لو استجمر بحجرٍ مبتلٍّ ، لأنّ بلل الحجر يتنجّس بنجاسة المحلّ ثمّ ينجّسه . وكذا لو انتقلت النّجاسة عن المحلّ الّذي أصابته عند الخروج ، فلا بدّ عندهم من غسل المحلّ في كلّ تلك الصّور .

ب - ما انتشر من النّجاسة وجاوز المخرج:

26 -اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيرًا لا يجزئ فيه الاستجمار ، بل لا بدّ من غسله . ووجه ذلك أنّ الاستجمار رخصةٌ لعموم البلوى ، فتختصّ بما تعمّ به البلوى ، ويبقى الزّائد على الأصل في إزالة النّجاسة بالغسل . لكنّهم اختلفوا في تحديد الكثير ، فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة إلى أنّ الكثير من الغائط هو ما جاوز المخرج ، وانتهى إلى الألية ، والكثير من البول ما عمّ الحشفة .

وانفرد المالكيّة في حال الكثرة بأنّه يجب غسل الكلّ لا الزّائد وحده .

وذهب الحنفيّة إلى أنّ الكثير هو ما زاد عن قدر الدّرهم ، مع اقتصار الوجوب على الزّائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، خلافًا لمحمّدٍ ، حيث وافق المالكيّة في وجوب غسل الكلّ .

ج - استجمار المرأة:

27 -يجزئ المرأة الاستجمار من الغائط بالاتّفاق ، وهذا واضحٌ . أمّا من البول فعند المالكيّة لا يجزئ الاستجمار في بول المرأة ، بكرًا كانت أو ثيّبًا . قالوا: لأنّه يجاوز المخرج غالبًا . وعند الشّافعيّة: يكفي في بول المرأة - إن كانت بكرًا - ما يزيل عين النّجاسة خرقًا أو غيرها ، أمّا الثّيّب فإن تحقّقت نزول البول إلى ظاهر المهبل ، كما هو الغالب ، لم يكف الاستجمار ، وإلاّ كفى . ويستحبّ الغسل حينئذٍ .

أمّا عند الحنابلة ففي الثّيّب قولان:

الأوّل: أنّه يكفيها الاستجمار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت