والثّاني: أنّه يجب غسله . وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الدّاخل من نجاسةٍ وجنابةٍ وحيضٍ ، بل تغسل ما ظهر ، ويستحبّ لغير الصّائمة غسله .
ومقتضى قواعد مذهب الحنفيّة أنّه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنّةً . وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار ، بل لا بدّ من المائع أو الماء لإزالة النّجاسة . ولم يتعرّضوا لكيفيّة استجمار المرأة .
ما لا يستجمر به:
28 -اشترط الحنفيّة والمالكيّة فيما يستجمر به خمسة شروطٍ:
(1 ) أن يكون يابسًا ، وعبّر غيرهم بدل اليابس بالجامد .
(2 ) طاهرًا .
(3 ) منقّيًا .
(4 ) غير مؤذٍ .
(5 ) ولا محترمٍ . وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواعٍ:
(1 ) ما ليس يابسًا .
(2 ) الأنجاس .
(3 ) غير المنقّي ، كالأملس من القصب ونحوه .
(4 ) المؤذي ، ومنه المحدّد كالسّكّين ونحوه .
(5 ) المحترم وهو عندهم ثلاثة أصنافٍ:
أ - المحترم لكونه مطعومًا .
ب - المحترم لحقّ الغير .
ج - المحترم لشرفه .
وهذه الأمور تذكر في غير كتب المالكيّة أيضًا ، إلاّ أنّهم لا يذكرون في الشّروط عدم الإيذاء ، وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامّة للشّريعة . وهم وإن اتّفقوا على هذه الاشتراطات من حيث الجملة ، فإنّهم قد يختلفون في التّفاصيل ، وقد يتّفقون .
ويرجع في تفصيل ذلك إلى كتب الفقه .
هل يجزئ الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به:
29 -إذا ارتكب النّهي واستنجى بالمحرّم وأنقى ، فعند الحنفيّة والمالكيّة وابن تيميّة من الحنابلة ، كما في الفروع: يصحّ الاستنجاء مع التّحريم . قال ابن عابدين: لأنّه يجفّف ما على البدن من الرّطوبة . وقال الدّسوقيّ: ولا إعادة عليه في الوقت ولا في غيره .
أمّا عند الشّافعيّة فلا يجزئ الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعامٍ أو كتب علمٍ ، وكذلك النّجس . أمّا عند الحنابلة فلا يجزئ الاستجمار بما حرم مطلقًا ، لأنّ الاستجمار رخصةٌ فلا تباح بمحرّمٍ . وفرّقوا بينه وبين الاستجمار باليمين - فإنّه يجزئ الاستجمار بها مع ورود النّهي - بأنّ النّهي في العظم ونحوه لمعنًى في شرط الفعل ، فمنع صحّته ، كالوضوء بالماء النّجس . أمّا باليمين فالنّهي لمعنًى في آلة الشّرط ، فلم يمنع ، كالوضوء من إناءٍ محرّمٍ . وسوّوا في ذلك بين ما ورد النّهي عن الاستجمار به كالعظم ، وبين ما كان استعماله بصفةٍ عامّةٍ محرّمًا كالمغصوب . قالوا: ولو استجمر بعد المحرّم بمباحٍ لم يجزئه ووجب الماء ، وكذا لو استنجى بمائعٍ غير الماء . وإن استجمر بغير منقٍّ كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنقٍّ . وفي المغني: يحتمل أن يجزئه الاستجمار بالطّاهر بعد الاستجمار بالنّجس ، لأنّ هذه النّجاسة تابعةٌ لنجاسة المحلّ فزالت بزوالها .
كيفيّة الاستنجاء وآدابه:
أوّلًا: الاستنجاء بالشّمال:
30 -ورد في الحديث عند أصحاب الكتب السّتّة عن أبي قتادة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إذا بال أحدكم فلا يمسّ ذكره بيمينه ، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسّح بيمينه » . فقد نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين ، وحمل الفقهاء هذا النّهي على الكراهة ، وهي كراهة تحريمٍ عند الحنفيّة ، كما استظهر ابن نجيمٍ . وكلّ هذا في غير حالة الضّرورة أو الحاجة ، للقاعدة المعروفة: الضّرورات تبيح المحظورات .
فلو يسراه مقطوعةً أو شلاّء ، أو بها جراحةٌ جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهةٍ .
هذا ، ويجوز الاستعانة باليمين في صبّ الماء ، وليس هذا استنجاءً باليمين ، بل المقصود منه مجرّد إعانة اليسار ، وهي المقصودة بالاستعمال .
ثانيًا: الاستتار عند الاستنجاء:
31 -الاستنجاء يقتضي كشف العورة ، وكشفها أمام النّاس محرّمٌ في الاستنجاء وغيره ، فلا يرتكب لإقامة سنّة الاستنجاء ، ويحتال لإزالة النّجاسة من غير كشفٍ للعورة عند من يراه . فإن لم يكن بحضرة النّاس ، فعند الحنفيّة: من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء والتّجفيف ، لأنّ الكشف كان لضرورةٍ وقد زالت .
وعند الحنابلة في التّكشّف لغير حاجةٍ روايتان: الكراهة ، والحرمة . وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبًّا على الأقلّ .
ثالثًا: الانتقال عن موضع التّخلّي:
32 -إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته . كذا عند الشّافعيّة والحنابلة - قال الشّافعيّة: إذا كان استنجاؤه بالماء - بل ينتقل عنه ، لئلاّ يعود الرّشاش إليه فينجّسه . واستثنوا الأخلية المعدّة لذلك ، فلا ينتقل فيها .
وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه ، لئلاّ ينتقل الغائط من مكانه فيمتنع عليه الاستجمار . أمّا عند الحنابلة ، فينبغي أن يتحوّل من مكانه الّذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضًا ، كما يتحوّل للاستنجاء بالماء ، وهذا إن خشي التّلوّث .
رابعًا: عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء:
33 -من آداب الاستنجاء عند الحنفيّة: أن يجلس له إلى يمين القبلة ، أو يسارها كي لا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال كشف العورة . فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدبٍ ، وهو مكروهٌ كراهة تنزيهٍ ، كما في مدّ الرّجل إليها . وقال ابن نجيمٍ: اختلف الحنفيّة في ذلك ، واختار التّمرتاشيّ أنّه لا يكره ، وهذا بخلاف التّبوّل أو التّغوّط إليها فهو عندهم محرّمٌ . وعند الشّافعيّة: يجوز الاستنجاء مع الاتّجاه إلى القبلة من غير كراهةٍ ، لأنّ النّهي ورد في استقبالها واستدبارها ببولٍ أو غائطٍ ، وهذا لم يفعله .
خامسًا: الاستبراء: