فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 2053

15 -فرّق جمهور الفقهاء بين المسجد وغير المسجد فيما يتعلّق بالمسافة بين الإمام والمقتدي ، فقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة: إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه ، أو يسمع التّكبير وهما في مسجدٍ واحدٍ صحّ الاقتداء ، وإن بعدت المسافة . أمّا في خارج المسجد فإذا كانت المسافة قدر ما يسع صفّين فإنّها تمنع من صحّة الاقتداء عند الحنفيّة ، إلاّ في صلاة العيدين ، وفي صلاة الجنازة خلاف عندهم . ولا يمنع الاقتداء بعد المسافة في خارج المسجد إذا لم يزد عن ثلاثمائة ذراعٍ عند الشّافعيّة . واشترط الحنابلة في صحّة الاقتداء خارج المسجد رؤية المأموم للإمام أو بعض من وراءه . فلا يصحّ الاقتداء إن لم ير المأموم أحدهما ، وإن سمع التّكبير ، ومهما كانت المسافة .

ولم يفرّق المالكيّة بين المسجد وغيره ولا بين قرب المسافة وبعدها ، فقالوا بصحّة الاقتداء إذا أمكن رؤية الإمام أو المأموم أو سماع الإمام ولو بمسمّعٍ .

وجود الحائل ، وله عدّة صورٍ:

16 -الأولى: إن كان بين المقتدي والإمام نهر كبير تجري فيه السّفن ( ولو زورقًا عند الحنفيّة ) لا يصحّ الاقتداء ، وهذا باتّفاق المذاهب ، وإن اختلفوا في تحديد النّهر الكبير والصّغير . فقال الحنفيّة والحنابلة: النّهر الصّغير هو ما لا تجري فيه السّفن ، وقال المالكيّة: هو ما لا يمنع من سماع الإمام ، أو بعض المأمومين ، أو رؤية فعل أحدهما .

وقال الشّافعيّة: هو النّهر الّذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحةٍ بالوثوب فوقه ، أو المشي فيه ، وفي حكمه النّهر المحوج إلى سباحةٍ عند الشّافعيّة على الصّحيح .

17 -الثّانية: يمنع من الاقتداء طريق نافذ يمكن أن تجري فيه عجلة ، وليس فيه صفوف متّصلة عند الحنفيّة والحنابلة . قال الحنفيّة: لو كان على الطّريق مأموم واحد لا يثبت به الاتّصال ، وبالثّلاث يثبت ، وفي المثنّى خلاف . ولا يضرّ الطّريق إذا لم يمنع من سماع الإمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما عند المالكيّة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ، ولهذا صرّحوا بجواز صلاة الجماعة لأهل الأسواق وإن فرّقت الطّرق بينهم وبين إمامهم . والرّواية الثّانية عند الشّافعيّة يضرّ ، لأنّه قد تكثر فيه الزّحمة فيعسر الاطّلاع على أحوال الإمام . هذا ، وأجاز أكثر الفقهاء الفصل بطريقٍ في صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الخوف ونحوها ، والتّفصيل في مواضعها .

18 -الثّالثة: صرّح الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن الحنابلة ، بأنّه إذا كان بين الإمام والمأموم جدار كبير أو باب مغلق يمنع المقتدي من الوصول إلى إمامه لو قصد الوصول إليه لا يصحّ الاقتداء ، ويصحّ إذا كان صغيرًا لا يمنع ، أو كبيرًا وله ثقب لا يشتبه عليه حال الإمام سماعًا أو رؤيةً ، لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « كان يصلّي في حجرة عائشة رضي الله عنها والنّاس في المسجد يصلّون بصلاته » .

قال الشّافعيّة: فإن حال ما يمنع المرور لا الرّؤية كالشّبّاك أو يمنع الرّؤية لا المرور كالباب المردود فوجهان .

وعلى هذا الاقتداء في المساكن المتّصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه صحيح ، إذا لم يشتبه حال الإمام لسماعٍ أو رؤيةٍ ، ولم يتخلّل إلاّ الجدار ، كما ذكره شمس الأئمّة فيمن صلّى على سطح بيته المتّصل بالمسجد أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتديًا بإمامٍ في المسجد وهو يسمع التّكبير من الإمام أو من المكبّر تجوز صلاته . ويصحّ اقتداء الواقف على السّطح بمن هو في البيت ، ولا يخفى عليه حاله .

ولم يفرّق المالكيّة ، وهو رواية عند الحنابلة بين ما إذا كان الجدار كبيرًا أو صغيرًا ، فقالوا بجواز الاقتداء إذا لم يمنع من سماع الإمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما .

ح - اتّحاد المكان:

19 -يشترط لصحّة الاقتداء أن يجمع المقتدي والإمام موقف واحد ، إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جمعٍ في مكان ، كما عهد عليه الجماعات في الأعصر الخالية ، ومبنى العبادات على رعاية الاتّباع فيشترط ليظهر الشّعار . وللفقهاء في تطبيق هذا الشّرط تفصيل ، وفي بعض الفروع خلاف كالآتي:

أوّلًا - الأبنية المختلفة:

20 -تقدّم ما يتعلّق بالأبنية المنفصلة .

ثانيًا - الاقتداء في السّفن المختلفة:

21 -يشترط في الاقتداء ألاّ يكون المقتدي في سفينةٍ والإمام في سفينةٍ أخرى غير مقترنةٍ بها عند الحنفيّة ، وهو المختار عند الحنابلة ، لاختلاف المكان ، ولو اقترنتا صحّ اتّفاقًا ، للاتّحاد الحكميّ . والمراد بالاقتران: مماسّة السّفينتين ، وقيل ربطهما .

وتوسّع المالكيّة في جواز اقتداء ذوي سفنٍ متقاربةٍ ، ولم يشترطوا ربط السّفينتين ، ولا المماسّة ، ولم يحدّدوا المسافة حيث قالوا: جاز اقتداء ذوي سفنٍ متقاربةٍ في المرسى بإمامٍ واحدٍ في بعضها يسمعون أقواله أو أقوال من معه في سفينته من مأمومين ، أو يرون أفعاله أو أفعال من معه في سفينته من مأمومين . وكذلك لو كانت السّفن سائرةً على المشهور ، لأنّ الأصل السّلامة من طروء ما يفرّقها من ريحٍ أو غيره . لكنّهم نصّوا على استحباب أن يكون الإمام في السّفينة الّتي تلي القبلة .

وقال الشّافعيّة: لو كانا في سفينتين صحّ اقتداء أحدهما بالآخر وإن لم تكونا مكشوفتين ، ولم تربط إحداهما بالأخرى ، بشرط ألاّ تزيد المسافة على ثلاثمائة ذراعٍ ، وعدم الحائل ، والماء بينهما كالنّهر بين المكانين ، بمعنى أنّه يمكن اجتيازه سباحةً ولم يشترطوا الالتصاق ولا الرّبط ، خلافًا للحنفيّة ، والمختار عند الحنابلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت