فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 2053

ثالثًا: علوّ موقف المقتدي على الإمام أو عكسه:

22 -يجوز أن يكون موقف المأموم عاليًا - ولو بسطحٍ - عن الإمام عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو رأي المالكيّة في غير صلاة الجمعة . فصحّ اقتداء من بسطح المسجد بالإمام الّذي يصلّي بالمسجد ، لإمكان المتابعة .

ويكره أن يكون موقف الإمام عاليًا عن موقف المأموم .

ولم يفرّق الشّافعيّة بين ارتفاع موقف الإمام والمأموم ، فشرطوا في هذه الحال ، محاذاة بعض بدن المأموم بعض بدن الإمام ، والعبرة في ذلك بالطّول العاديّ ، وقال النّوويّ يكره ارتفاع المأموم على إمامه حيث أمكن وقوفهما بمستوًى واحدٍ ، وعكسه كذلك ، إلاّ لحاجةٍ تتعلّق بالصّلاة ، كتبليغٍ يتوقّف عليه إسماع المأمومين وتعليمهم صفة الصّلاة ، فيستحبّ ارتفاعهما لذلك ، تقديمًا لمصلحة الصّلاة .

وهذا الكلام في البناء ونحوه . أمّا الجبل الّذي يمكن صعوده كالصّفا أو المروة أو جبل أبي قبيسٍ فالعبرة فيه بالمسافة الّتي سبق القول فيها وهي ثلاثمائة ذراعٍ . فالاقتداء فيه صحيح وإن كان المأموم أعلى من الإمام .

خ - عدم توسّط النّساء بين الإمام والمأموم:

23 -يشترط لصحّة الاقتداء عند الجمهور عدم توسّط النّساء ، فإن وقفت المرأة في صفّ الرّجل كره ، ولم تبطل صلاتها ، ولا صلاة من يليها ، ولا من خلفها . لأنّها لو وقفت في غير صلاةٍ لم تبطل صلاته ، فكذلك في الصّلاة ، وقد ثبت أنّ « عائشة رضي الله عنها كانت تعترض بين يدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نائمةً وهو يصلّي » . والنّهي للكراهة ، ولهذا لا تفسد صلاتها فصلاة من يليها أولى . وهكذا إن كان هناك صفّ تامّ من النّساء ، فإنّه لا يمنع اقتداء من خلفهنّ من الرّجال .

وذهب الحنفيّة إلى أنّه يشترط لصحّة الاقتداء ألاّ يكون بين المقتدي والإمام صفّ من النّساء بلا حائلٍ قدر ذراعٍ ، وبهذا قال أبو بكرٍ من الحنابلة ، والمراد بالصّفّ عند الحنفيّة ما زاد على الثّلاث ، وفي روايةٍ المراد بالصّفّ الثّلاث ، وعلى هذا قالوا:

-1 - المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثةٍ ، واحدٍ عن يمينها وآخر عن يسارها وآخر خلفها ، ولا تفسد أكثر من ذلك .

-2 - والمرأتان تفسدان صلاة أربعةٍ من الرّجال ، واحدٍ عن يمينهما ، وآخر عن يسارهما ، وصلاة اثنين خلفهما .

-3 - وإن كنّ ثلاثًا أفسدن صلاة واحدٍ عن يمينهنّ ، وآخر عن يسارهنّ وثلاثةٍ ثلاثةٍ إلى آخر الصّفوف . وهذا جواب ظاهر الرّواية . وفي رواية الثّلاث كالصّفّ ، تفسد صلاة كلّ الصّفوف خلفهنّ إلى آخر الصّفوف ، لأنّ الثّلاثة جمع كامل .

وفي روايةٍ عن أبي يوسف أنّ الثّنتين كالثّلاث . وفي روايةٍ أخرى جعل الثّلاث كالاثنتين .

د - العلم بانتقالات الإمام:

24 -يشترط في الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام ، بسماعٍ أو رؤيةٍ للإمام أو لبعض المقتدين به ، لئلاّ يشتبه على المقتدي حال الإمام فلا يتمكّن من متابعته ، فلو جهل المأموم أفعال إمامه الظّاهرة كالرّكوع والسّجود ، أو اشتبهت عليه لم تصحّ صلاته ، لأنّ الاقتداء متابعة ، ومع الجهل أو الاشتباه لا تمكن المتابعة ، وهذا الشّرط متّفق عليه عند الفقهاء . زاد الحنفيّة: وكذا علمه بحال إمامه من إقامةٍ أو سفرٍ قبل الفراغ أو بعده ، وهذا فيما لو صلّى الرّباعية ركعتين في مصرٍ أو قريةٍ .

هذا ، وقد تقدّم أنّ الحنابلة لا يجوّزون الاقتداء خارج المسجد بالسّماع وحده . بل يشترطون في إحدى الرّوايتين رؤية المأموم للإمام أو بعض المقتدين به ، لقول عائشة لنساءٍ كنّ يصلّين في حجرتها:"لا تصلّين بصلاة الإمام فإنّكنّ دونه في حجابٍ"

ولأنّه لا يمكنه المتابعة في الغالب .

وأمّا على الرّواية الأخرى فالحنابلة يكتفون بالعلم بانتقالات الإمام بالسّماع أو بالرّؤية .

ذ - صحّة صلاة الإمام:

25 -يشترط لصحّة الاقتداء صحّة صلاة الإمام ، فلو تبيّن فسادها لا يصحّ الاقتداء ، قال الحنفيّة: لو تبيّن فساد صلاة الإمام ، فِسْقًا منه ، أو نسيانًا لمضيّ مدّة المسح ، أو لوجود الحدث أو غير ذلك ، لم تصحّ صلاة المقتدي لعدم صحّة البناء ، وكذلك لو كانت صحيحةً في زعم الإمام فاسدةً في زعم المقتدي لبنائه على الفاسد في زعمه .

والمراد بالفسق هنا: الفسق الّذي يخلّ بركنٍ أو شرطٍ في الصّلاة ، كأن يصلّي وهو سكران ، أو هو محدث متعمّدًا . أمّا الفسق في العقيدة ، أو بارتكاب المحرّمات ، فهي مسألة خلافيّة ، وقد شدّد فيها الإمام أحمد ، وقال: إنّه إذا كان داعيًا إلى بدعته ، وعلم بذلك المقتدي ، فعليه إعادة الصّلاة ، حتّى لو علم بذلك بعد الصّلاة ، وهذه الرّواية المعتمدة في المذهب . أمّا إذا كان لا يدعو إلى بدعته ، وهو مستور الحال ، فالظّاهر أنّه لا إعادة على من اقتدى به ، وفي روايةٍ: عليه الإعادة .

وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصّلاة خلف الفاسق مكروهة ، ولا إعادة فيها . لحديث: « صلّوا خلف من قال لا إله إلاّ اللّه » . ولأنّ ابن عمر كان يصلّي خلف الحجّاج . وأنّ الحسن والحسين كانا يصلّيان خلف مروان ووراء الوليد بن عقبة . ومثله ما ذهب إليه المالكيّة حيث قالوا: لا يصحّ الاقتداء بإمامٍ تبيّن في الصّلاة أو بعدها أنّه كافر ، أو امرأة ، أو مجنون ، أو فاسق ( على خلافٍ فيه ) أو ظهر أنّه محدث ، إن تعمّد الحدث أو علم المؤتمّ بحدثه في الصّلاة أو قبلها ، أو اقتدى به بعد العلم ولو ناسيًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت