وكذا قال الشّافعيّة: لا يصحّ اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته ، كمن علم بكفره أو حدثه أو نجاسة ثوبه ، لأنّه ليس في صلاةٍ فكيف يقتدي به ، وكذا لا يصحّ الاقتداء بإمامٍ يعتقد المقتدي بطلان صلاته . وصرّح الحنابلة بأنّه لا يصحّ الاقتداء بكافرٍ ولو ببدعةٍ مكفّرةٍ ولو أسرّه وجهل المأموم كفره ثمّ تبيّن له . وكذلك من ظنّ كفره أو حدثه ، ولو بان خلاف ذلك فيعيد المأموم ، لاعتقاده بطلان صلاته . لكن المالكيّة قالوا: لو علم المقتدي بحدث إمامه بعد الصّلاة فلا بطلان . كما أنّ الحنابلة صرّحوا بأنّه لو صلّى خلف من يعلمه مسلمًا ، فقال بعد الصّلاة: هو كافر ، لم يؤثّر في صلاة المأموم لأنّها كانت محكومًا بصحّتها .
وأمّا الإمام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك المأموم ، كما في البخاريّ وغيره ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « أئمّتكم يصلّون لكم ولهم ، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم » . فجعل خطأ الإمام على نفسه دونهم ، وقد صلّى عمر وغيره من الصّحابة رضي الله عنهم وهو جنب ناسيًا للجنابة ، فأعاد ولم يأمر المأمومين بالإعادة ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، كمالكٍ والشّافعيّ وأحمد في المشهور عنه .
وكذلك لو فعل الإمام ما يسوغ عنده ، وهو عند المأموم يبطل الصّلاة ، مثل أن يفتصد ويصلّي ولا يتوضّأ ، أو يمسّ ذكره ، أو يترك البسملة ، وهو يعتقد أنّ صلاته تصحّ مع ذلك ، والمأموم يعتقد أنّها لا تصحّ مع ذلك ، فجمهور العلماء على صحّة صلاة المأموم ، كما هو مذهب مالكٍ وأحمد في أظهر الرّوايتين ، بل في أنصّهما عنه . وهو أحد الوجهين في مذهب الشّافعيّ ، اختاره القفّال وغيره . واستدلّ الإمام أحمد لهذا الاتّجاه بأنّ الصّحابة - رضوان الله عليهم - كان يصلّي بعضهم خلف بعضٍ على اختلافهم في الفروع . وأنّ المسائل الخلافيّة لا تخلو إمّا أن يصيب المجتهد فيكون له أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته ، أو أن يخطئ فله أجر واحد وهو أجر اجتهاده ، ولا إثم عليه في الخطأ .
أحوال المقتدي:
26 -المقتدي إمّا مدرك ، أو مسبوق ، أو لاحق ، فالمدرك: من صلّى الرّكعات كاملةً مع الإمام ، أي أدرك جميع ركعاتها معه ، سواء أأدرك معه التّحريمة أو أدركه في جزءٍ من ركوع الرّكعة الأولى إلى أن قعد معه القعدة الأخيرة ، وسواء أسلّم معه أم قبله . والمدرك يتابع إمامه في أفعاله وأقواله ، إلاّ في حالاتٍ خاصّةٍ تذكر في كيفيّة الاقتداء .
27 -والمسبوق: من سبقه الإمام بكلّ الرّكعات بأن اقتدى بالإمام بعد ركوع الأخيرة ، أو ببعض الرّكعات . وقد اختلفوا في حكمه ، فقال أبو حنيفة والحنابلة: ما أدركه المسبوق فهو آخر صلاته قولًا وفعلًا ، فإن أدركه فيما بعد الرّكعة الأولى كالثّانية أو الثّالثة لم يستفتح ، ولم يستعذ ، وما يقضيه فهو أوّل صلاته ، يستفتح فيه ، ويتعوّذ ، ويقرأ الفاتحة والسّورة كالمنفرد ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « ما أدركتم فصلّوا ، وما فاتكم فاقضوا » والمقضيّ هو الفائت ، فيكون على صفته ، لكن لو أدرك من رباعيّةٍ أو مغربٍ ركعةً ، تشهّد عقب قضاء ركعةٍ أخرى عند الحنابلة كما قال به سائر الفقهاء ، غير أبي حنيفة ، لئلاّ يلزم تغيير هيئة الصّلاة ، لأنّه لو تشهّد عقب ركعتين لزم قطع الرّباعيّة على وترٍ ، والثّلاثيّة شفعًا ، ومراعاة هيئة الصّلاة ممكنة ، وقال أبو حنيفة: لو أدركه في ركعة الرّباعيّ يقضي ركعتين بفاتحةٍ وسورةٍ ثمّ يتشهّد ، ثمّ يأتي بفاتحةٍ خاصّةٍ ، ليكون القضاء بالهيئة الّتي فاتت .
وقال الشّافعيّة: ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو أوّل صلاته ، وما يفعله بعد سلام إمامه آخرها ، لقوله عليه الصلاة والسلام: « فما أدركتم فصلّوا ، وما فاتكم فأتمّوا » وإتمام الشّيء لا يكون إلاّ بعد أوّله ، وعلى ذلك إذا صلّى مع الإمام الرّكعة الثّانية من الصّبح ، وقنت الإمام فيها يعيد في الباقي القنوت ، ولو أدرك ركعةً من المغرب مع الإمام تشهّد في الثّانية . وذهب المالكيّة ، وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وهو المعتمد في المذهب ، أنّ المسبوق يقضي أوّل صلاته في حقّ القراءة ، وآخرها في حقّ التّشهّد ، فمدرك ركعةٍ من غير فجرٍ يأتي بركعتين بفاتحةٍ وسورةٍ وتشهّدٍ بينهما ، وبرابعة الرّباعيّ بفاتحةٍ فقط ، ولا يعقد قبلهما ، فهو قاضٍ في حقّ القول عملًا برواية: « وما فاتكم فاقضوا » لكنّه بانٍ على صلاته في حقّ الفعل عملًا برواية: « وما فاتكم فأتمّوا » وذلك تطبيقًا لقاعدة الأصوليّين: ( إذا أمكن الجمع بين الدّليلين جُمِع ) فحملنا رواية الإتمام على الأفعال ، ورواية القضاء على الأقوال .
28 -والاّحق: هو من فاتته الرّكعات كلّها أو بعضها بعد اقتدائه بعذرٍ ، كغفلةٍ وزحمةٍ ، وسبق حدثٍ ونحوها ، أو بغير عذرٍ كأن سبق إمامه في ركوعٍ أو سجودٍ ، كما عرّفه الحنفيّة ، وهو المتخلّف عن الإمام بركنٍ أو أكثر ، كما عبّر عنه غير الحنفيّة .
وحكم الاّحق عند الحنفيّة كمؤتمٍّ ، لا يأتي بقراءةٍ ولا سجود سهوٍ ، ولا يتغيّر فرضه بنيّة إقامةٍ ، ويبدأ بقضاء ما فاته بعذرٍ ، ثمّ يتابع الإمام إن لم يكن قد فرغ ، عكس المسبوق . وقال الجمهور: ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إن تخلّف عن الإمام بركعةٍ فأكثر بعذرٍ ، من نومٍ أو غفلةٍ ، تابع إمامه فيما بقي من صلاته ، ويقضي ما سبقه الإمام به بعد سلام الإمام كالمسبوق ، وإن تخلّف بركنين بغير عذرٍ بطلت صلاته عندهم . وكذلك لو تخلّف بركنٍ واحدٍ عمدًا عند المالكيّة ، وهو رواية عند الشّافعيّة ، ولا تبطل في الأصحّ عندهم .