32 -اتّفق الفقهاء على جواز اقتداء غاسلٍ بماسحٍ على خفٍّ أو جبيرةٍ ، لأنّ الخفّ مانع سراية الحدث إلى القدم ، وما حلّ بالخفّ يرفعه المسح ، فهو باقٍ على كونه غاسلًا ، كما علّله الحنفيّة ، ولأنّ صلاته مغنية عن الإعادة لارتفاع حدثه ، لأنّ المسح يرفع الحدث كما وجّهه الآخرون .
اقتداء المفترض بالمتنفّل:
33 -جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة وهو المختار عند الحنابلة ) على عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فلا تختلفوا عليه » ولقوله عليه السلام: « الإمام ضامن » ومقتضى الحديثين ألاّ يكون الإمام أضعف حالًا من المقتدي ، ولأنّ صلاة المأموم لا تؤدّى بنيّة الإمام ، فأشبهت صلاة الجمعة خلف من يصلّي الظّهر .
وقال الشّافعيّة ، وهو الرّواية الثّانية عند الحنابلة: يصحّ اقتداء المفترض بالمتنفّل بشرط توافق نظم صلاتيهما ، لما ورد في الصّحيحين: « أنّ معاذًا كان يصلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ، ثمّ يرجع إلى قومه فيصلّي بهم تلك الصّلاة » .
فإن اختلف فعلهما كمكتوبةٍ وكسوفٍ أو جنازةٍ ، لم يصحّ الاقتداء في ذلك على الصّحيح لمخالفته النّظم وتعذّر المتابعة .
34 -ويتفرّع على هذه المسألة اقتداء البالغ بالصّبيّ في الفرض ، فإنّه لا يجوز عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) لقول الشّعبيّ: لا يؤمّ الغلام حتّى يحتلم . ولأنّه لا يؤمن من الصّبيّ الإخلال بشرطٍ من شرائط الصّلاة .
وقال الشّافعيّة: يصحّ اقتداء البالغ الحرّ بالصّبيّ المميّز ، ولو كانت الصّلاة فرضًا ، للاعتداد بصلاته ، لأنّ « عمرو بن سلمة كان يؤمّ قومه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستّ أو سبع سنين » . لكنّهم صرّحوا بكراهة الاقتداء بالصّبيّ المميّز .
هذا في صلاة الفريضة ، أمّا في النّافلة فجاز اقتداء البالغ بالصّبيّ عند بعض الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة ، ورواية عند الحنابلة . وفي المختار عند الحنفيّة ، ورواية عند المالكيّة والحنابلة: لا يجوز لأنّ نفل الصّغير دون نفل البالغ ، حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد ، ولا يبنى القويّ على الضّعيف ، كما علّله الحنفيّة ..
اقتداء المفترض بمن يصلّي فرضًا آخر:
35 -جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ) على أنّه لا يجوز اقتداء مفترضٍ بمن يصلّي فرضًا آخر غير فرض المأموم ، فلا يصحّ اقتداء من يصلّي ظهرًا خلف من يصلّي عصرًا أو غيره ، ولا عكسه ، ولا اقتداء من يصلّي أداءً بمن يصلّي قضاءً ، لأنّ الاقتداء بناء تحريمة المقتدي على تحريمة الإمام ، وهذا يقتضي اتّحاد صلاتيهما ، كما سبق في شروط الاقتداء . ويجوز ذلك عند الشّافعيّة إذا توافق نظم صلاتيهما في الأفعال الظّاهرة ، فيصحّ اقتداء من يصلّي فرضًا من الأوقات الخمسة بمن يصلّي فرضًا آخر منهما أداءً وقضاءً ، مع تفصيلٍ ذكر في موضعه .
اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه:
36 -يجوز اقتداء المقيم بالمسافر في الوقت وخارج الوقت باتّفاق الفقهاء ، فإذا أتمّ الإمام المسافر صلاته يقول للمصلّين خلفه: أتمّوا صلاتكم فإنّي مسافر . فيقوم المقتدي المقيم ليكمل صلاته . ويعتبر في هذه الحالة كالمسبوق عند أكثر الفقهاء .
كذلك يجوز اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت بلا خلافٍ ، وحينئذٍ يجب عليه إتمام صلاته أربعًا متابعةً للإمام . أمّا اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت فلا يجوز في صلاةٍ رباعيّةٍ عند الحنفيّة ، لأنّ المسافر بعد فوات الوقت تقرّر أنّ فرضه ركعتان فيكون اقتداء مفترضٍ بمتنفّلٍ في حقّ قعدةٍ أو قراءةٍ باقتدائه في شفعٍ أوّلٍ أو ثانٍ .
اقتداء السّليم بالمعذور:
37 -يرى جمهور الفقهاء: ( الحنفيّة والحنابلة ، ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ) أنّه لا يجوز اقتداء السّليم بالمعذور ، كمن به سلس البول ، واستطلاق البطن ، وانفلات الرّيح ، وكذا الجرح السّائل ، والرّعاف ، والمستحاضة ، لأنّ أصحاب الأعذار يصلّون مع الحدث حقيقةً ، لكن جعل الحدث الموجود في حقّهم كالمعدوم ، للحاجة إلى الأداء فلا يتعدّاهم ، لأنّ الضّرورة تقدّر بقدرها ، ولأنّ الصّحيح أقوى حالًا من المعذور ، ولا يجوز بناء القويّ على الضّعيف ، ولأنّ الإمام ضامن ، بمعنى أنّه تضمن صلاته صلاة المقتدي ، والشّيء لا يتضمّن ما هو فوقه .
وقال الشّافعيّة في الأصحّ: يصحّ اقتداء السّليم بصاحب السّلس ، والطّاهرة بالمستحاضة غير المتحيّرة ، لصحّة صلاتهم من غير إعادةٍ .
وجواز اقتداء السّليم بالمعذور هو قول المالكيّة في المشهور ، لأنّه إذا عفي عن الأعذار في حقّ صاحبها عفي عنها في حقّ غيره . لكنّهم صرّحوا بكراهة إمامة أصحاب الأعذار للأصحّاء . وقد نقل في التّاج والإكليل عن المالكيّة في جواز أو عدم جواز اقتداء السّليم بالمعذور قولين . واستدلّ للجواز بأنّ عمر كان إمامًا وأخبر أنّه يجد ذلك ( أي سلس المذي ) ولا ينصرف ويجوز اقتداء صاحب العذر بمثله مطلقًا ، أي ولو اختلف العذر ، أو إن اتّحد عذرهما على تفصيلٍ يذكر في مصطلح ( عذر ) .
اقتداء المكتسي بالعاري:
38 -صرّح جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ) بعدم صحّة اقتداء المكتسي ( أي مستور العورة ) بالعاري ، لأنّ المقتدي أقوى حالًا من الإمام ، فيلزم اقتداء القويّ بالضّعيف .
ولأنّه تارك لشرطٍ يقدر عليه المأموم ، فأشبه اقتداء المعافى بمن به سلس البول .
حتّى إنّ المالكيّة قالوا: إن وجدوا ثوبًا صلّوا به أفذاذًا لا يؤمّهم به أحد .