قال النّوويّ: إنّ هذا الاستعمال ورد في نادر الأحوال لبيان الجواز فإنّه ليس بحرام ، أو أنّه خوطب به من قد يشتبه عليه العشاء بالمغرب ، فلو قيل: العشاء لتوهّم إرادة المغرب ؛ لأنّها كانت معروفةً عندهم بالعشاء ، وأمّا العتمة فصريحة في العشاء الآخرة .
وللمالكيّة في تسميتها قولان آخران: أحدهما: الجواز من غير كراهة ، وثانيهما: الحرمة
أوّل وقت العشاء وآخره:
19 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ أوّل وقت صلاة العشاء يدخل من غيبوبة الشّفق ، وإنّما اختلفوا في الشّفق . فالجمهور على أنّه: الحمرة ، وأبو حنيفة وزفر يقولان: هو البياض بعد الحمرة .
وآخر وقت العشاء إلى الفجر الصّادق ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « آخر وقت العشاء ما لم يطلع الفجر » .
هذا ، وقد قسّم جمهور الفقهاء الوقت إلى اختياريّ ، وضروريّ ، وتفصيله في مصطلح:
( أوقات الصّلاة ) .
صلاة فاقد العشاء:
20 -اتّفق الفقهاء على أنّ سبب وجوب الصّلاة المفروضة هو الوقت ، وذكروا حكم من لا يأتي عليهم العشاء في بعض أيّام السّنة أو كلّها ، هل تجب عليهم صلاة العشاء أم لا ؟ وإذا وجبت فكيف يؤدّونها ؟ فذهب الجمهور إلى أنّه تجب عليهم صلاة العشاء ويقدّرون وقتها قدر ما يغيب الشّفق بأقرب البلاد إليهم . وفي رأي عند بعض الحنفيّة: أنّ من لا يأتي عليه العشاء لا يكلّف بصلاتها لعدم سبب وجوبها . وللتّفصيل ينظر مصطلح: ( أوقات الصّلاة ) .
تأخير صلاة العشاء:
21 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة ، والحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة - إلى أنّ تأخير العشاء مستحبّ إلى ثلث اللّيل ، قال الزّيلعيّ: قد ورد في تأخير العشاء أخبار كثيرة صحاح . وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصّحابة والتّابعين ، ومن الأحاديث الّتي يستدلّون بها على استحباب تأخير العشاء قوله صلى الله عليه وسلم: « لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم أن يؤخّروا العشاء إلى ثلث اللّيل أو نصفه » .
وقيّد بعض الحنفيّة استحباب تأخير العشاء بالشّتاء ، أمّا الصّيف فيندب تعجيلها عندهم . وذهب المالكيّة إلى أنّ الأفضل للفذّ والجماعة الّتي لا تنتظر غيرها تقديم الصّلوات ، ولو عشاءً في أوّل وقتها المختار بعد تحقّق دخوله ، ولا ينبغي تأخير العشاء إلى ثلث اللّيل إلاّ لمن يريد تأخيرها لشغل مهمّ ، كعمله في حرفته ، أو لأجل عذر ، كمرض ونحوه . لكن يستحبّ أن يؤخّرها أهل المساجد قليلًا لاجتماع النّاس ، وأفضليّة تقديم الصّلوات لأوّل وقتها ولو عشاءً هو - أيضًا - قول آخر للشّافعيّة . قال النّوويّ: والأصحّ من القولين عند أصحابنا أنّ تقديمها أفضل ، ثمّ قال: وتفضيل التّأخير أقوى دليلًا .
كراهة النّوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها:
22 -ذهب الفقهاء إلى أنّه يكره النّوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها لما رواه أبو برزة - رضي الله عنه - قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يكره النّوم قبلها والحديث بعدها» قال النّفراويّ: الحديث بعدها أشدّ كراهةً من النّوم قبلها .
والدّليل على كراهة النّوم قبلها: هو خشية فوت وقتها ، أو فوت الجماعة فيها .
لكن الحنفيّة قالوا: إذا وكّل لنفسه من يوقظه في وقتها فمباح له النّوم ، كما نقله الزّيلعيّ عن الطّحاويّ .
وكره المالكيّة النّوم قبل صلاة العشاء ولو وكّل من يوقظه ؛ لاحتمال نوم الوكيل أو نسيانه فيفوت وقت الاختيار .
أمّا كراهة الحديث بعد صلاة العشاء: فلأنّه ربّما يؤدّي إلى سهر يفوت به الصّبح ، أو لئلاّ يقع في كلامه لغو ، فلا ينبغي ختم اليقظة به ، أو لأنّه يفوت به قيام اللّيل لمن له به عادة ؛ ولتقع الصّلاة الّتي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله والنّوم أخو الموت ، وربّما مات في نومه. وهذا إذا كان الحديث لغير حاجة ، أمّا إذا كان لحاجة مهمّة فلا بأس . وكذا قراءة القرآن ، وحديث الرّسول صلى الله عليه وسلم ومذاكرة الفقه وحكايات الصّالحين ، والحديث مع الضّيف ، أو القادم من السّفر ونحوها فلا كراهة في شيء من ذلك ؛ لأنّه خير ناجز فلا يترك لمفسدة متوهّمة ، كما قال النّوويّ وعن عمر - رضي الله عنه - قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر في أمر من أمور المسلمين وأنا معهما » .
خامسًا - صلاة الفجر:
23 -الفجر في الأصل هو الشّفق ، والمراد به ضوء الصّباح ، سمّي به لانفجار الظّلمة به بسبب حمرة الشّمس في سواد اللّيل . والفجر في آخر اللّيل كالشّفق في أوّله .
والفجر اثنان:
أ - الفجر الأوّل: وهو الفجر الكاذب ، وهو البياض المستطيل يبدو في ناحية من السّماء وهو المسمّى عند العرب بذنب السّرحان ( الذّئب ) ، ثمّ ينكتم . ولهذا يسمّى فجرًا كاذبًا ، لأنّه يبدو نوره ، ثمّ يعقبه الظّلام .
ب - الفجر الثّاني أو الفجر الصّادق: وهو البياض المستطير المعترض في الأفق ، لا يزال يزداد نوره حتّى تطلع الشّمس ، ويسمّى هذا فجرًا صادقًا ؛ لأنّه إذا بدا نوره ينتشر في الأفق وفي الحديث: « لا يمنعنّكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير في الأفق » .