ثمّ إنّ التّضعيف المذكور يرجع إلى الثّواب ولا يتعدّى إلى الإجزاء باتّفاق العلماء كما نقله النّووي وغيره فلو كان عليه صلاتان فصلّى في أحد المسجدين"المسجد الحرام أو المسجد النّبويّ"صلاةً لم تجزئ إلّا عن واحدة .
9 -والفقهاء متّفقون على فضيلة الفرض في المسجد الحرام على الفرض في غيره وإنّما اختلفوا في شمول هذا الفضل الفرض والنّفل .
قال الفاسي المالكي: إنّ الفضل يختص بالفرض وهو مشهور مذهبنا ومذهب أبي حنيفة , ونقل ابن عابدين قول الفاسيّ من غير أن يعقّب عليه , ونسب العيني هذا القول إلى الطّحاويّ أيضًا .
وذهب الشّافعيّة في المذهب والحنابلة إلى أنّ المضاعفة لا تختص بالفريضة بل تعم النّفل والفرض , قال الزّركشي بعد أن ذكر مذهب الشّافعيّة في المسألة: وهو لازم للأصحاب من استثنائهم النّفل بمكّة من الوقت المكروه لأجل زيادة الفضيلة .
وقال الشّيخ مجد الدّين الحنبلي: ظاهر الأخبار أنّ النّفل في البيت أفضل , قال عليه الصّلاة والسّلام: « أفضل الصّلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة » , قال: وينبغي أن يكون مرادهم إلّا النّساء لأنّ صلاتهنّ في بيوتهنّ أفضل , والأخبار مشهورة في ذلك وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم .
المراد بالمسجد الحرام الّذي تضاعف فيه الصّلاة:
10 -ذهب الحنفيّة في المشهور والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ المضاعفة تعم جميع حرم مكّة, فقد ورد من حديث عطاء بن أبي رباح قال: « بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة قال عطاء فكأنّه مائة ألف قال قلت يا أبا محمّد هذا الفضل الّذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم قال بل في الحرم فإنّ الحرم كلّه مسجد » .
وقال ابن مفلح: ظاهر كلامهم في المسجد الحرام أنّه نفس المسجد , ومع هذا فالحرم أفضل من الحلّ , فالصّلاة فيه أفضل .
وقال الزّركشي: يتحصّل في المراد بالمسجد الحرام الّذي تضاعف فيه الصّلاة سبعة أقوال . الأوّل: أنّه المكان الّذي يحرم على الجنب الإقامة فيه .
الثّاني: أنّه مكّة .
الثّالث: أنّه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحلّ والحرم , قاله عطاء وقد سبق مثله عن الماورديّ وغيره , وقال الروياني: فضّل الحرم على سائر البقاع فرخّص في الصّلاة فيه في جميع الأوقات لفضيلة البقعة وحيازة الثّواب المضاعف , وقال الزّركشي: وهذا فيه تصريح بهذا القول .
الرّابع: أنّه الكعبة , قال الزّركشي وهو أبعدها .
الخامس: أنّه الكعبة والمسجد حولها , وهو الّذي قاله النّووي في استقبال القبلة .
السّادس: أنّه جميع الحرم وعرفة , قاله ابن حزم .
السّابع: أنّه الكعبة وما في الحجر من البيت , وهو قول صاحب البيان من أصحاب الشّافعيّة.
وحكى المحب الطّبريّ خلاف الفقهاء في مكان المضاعفة بالنّسبة إلى الصّلاة , ورجّح أنّ المضاعفة تختص بمسجد الجماعة .
تقدم المأموم على الإمام في المسجد الحرام:
11 -ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه إذا صلّى الإمام خارج الكعبة وتحلّق المقتدون حولها جاز لمن في غير جهته أن يكون أقرب إليها منه , لا لمن كان في جهته , لأنّ التّقدم والتّأخر إنّما يظهر عند اتّحاد الجهة .
وقال الشّافعيّة: يستحب للإمام أن يقف خلف المقام , ويقف المأمومون مستديرين بالكعبة , بحيث يكون الإمام أقرب إلى الكعبة منهم , فإن كان بعضهم أقرب إليها منه وهو في جهة الإمام ففي صحّة صلاته قولان: الجديد بطلانها , والقديم صحّتها .
وإن كان في غير جهته فطريقان: المذهب: القطع بصحّتها وهو نصه في الأمّ وبه قطع الجمهور .
والثّاني فيه القولان , حكاه الأصحاب عن أبي إسحاق المروزيّ .
المرور بين يدي المصلّي في المسجد الحرام:
12 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يمنع المار داخل المسجد الحرام , لما روي عن المطّلب ابن أبي وداعة رضي اللّه عنه: « أنّه رأى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يصلّي ممّا يلي باب بني سهم والنّاس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة » , وهو محمول على الطّائفين فيما يظهر لأنّ الطّواف صلاة فصار كمن بين يديه صفوف من المصلّين .
وقال المالكيّة: إن كان في المسجد الحرام حرم المرور إن كان له مندوحة وصلّى لسترة , وإلّا جاز , هذا إذا كان المار غير طائف , وأمّا هو فلا يحرم عليه مطلقًا , ثمّ إن كان له سترة كره حيث كان للطّائف مندوحة .
ونصّ الرّملي على أنّه لو قصّر المصلّي , بأن وقف في قارعة الطّريق أو بشارع أو درب ضيّقٍ أو نحو باب مسجد كالمحلّ الّذي يغلب مرور النّاس به في وقت الصّلاة ولو في المسجد كالمطاف , وكأن ترك فرجةً في صفّ إمامه فاحتيج للمرور بين يديه لفرجة قبله فلا يحرم المرور في جميع ذلك , ولو في حريم المصلّى وهو قدر إمكان سجوده , خلافًا للخوارزميّ , بل ولا يكره عند التّقصير .
وقال الحنابلة: المصلّي بمكّة المشرّفة لا يرد المارّ بين يديه , قال أحمد: لأنّ مكّة ليست كغيرها لأنّ النّاس يكثرون بها ويزدحمون فمنعهم تضييق عليهم , ولأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى بمكّة والنّاس يمرون بين يديه وليس بينهما ستر .
وألحق الموفّق بمكّة سائر الحرم لمشاركته لها في الحرمة .
وقال الرّحيباني: إنّما يتمشّى كلام الموفّق في زمن حاج لكثرة النّاس واضطرارهم إلى المرور , وأمّا في غير أيّام الحجّ فلا حاجة للمرور بين يدي المصلّي للاستغناء عنه , وكلام أحمد يمكن حمله على الصّلاة في المطاف أو قريبًا منه وهو متّجهٌ .
أفضليّة صلاة العيد بالمسجد الحرام: