فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 2053

لكنّ المالكيّة فرّقوا بين من كان من أهل المدينة وبين من كان من الغرباء عنها , فقالوا إنّ صلاة أهل المدينة النّفل المطلق في بيوتهم أفضل من فعلها في المسجد بخلاف الرّواتب وما تسن له الجماعة فإنّ فعلها في المسجد أفضل .

أمّا الغرباء عن المدينة فإنّ صلاتهم النّافلة في مسجده صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من صلاتهم لها في بيوتهم وسواء أكانت النّافلة من الرّواتب أم كانت نفلًا مطلقًا .

وقالوا: إنّ المراد بالغريب عن المدينة وهو من لا يعرف فيها , وإنّ المجاور بها حكمه حكم أهلها حيث كان يعرف .

ويرى الشّافعيّة - ومطرّف من المالكيّة - أنّ التّفضيل الوارد بالحديث يعم صلاة الفرض وصلاة النّفل .

قال النّووي: واعلم أنّ مذهبنا أنّه لا يختص هذا التّفضيل بالصّلاة في هذين المسجدين - أي المسجد الحرام والمسجد النّبويّ - بالفريضة بل يعم الفرض والنّفل جميعًا , وبه قال مطرّف من أصحاب مالكٍ , وقال الزّركشي: ذكر في شرح المهذّب أنّ التّحقيق: أنّ صلاة النّفل في بيته أفضل من المسجد .

ج - حكم ما زيد في بناء المسجد النّبويّ:

15 -طرأت على بناء المسجد النّبويّ توسعة وزيادات في بنائه عمّا كان عليه في عصر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم , وقد بحث العلماء حكم هذه الزّيادة من جهة نيل الثّواب , فمنهم من قال إنّ الفضل الثّابت لمسجده صلّى اللّه عليه وسلّم ثابت لما زيد فيه .

قال محب الدّين الطّبريّ: عن ابن عمر قال زاد عمر بن الخطّاب في المسجد من شاميّه وقال:"لو زدنا فيه حتّى تبلغ الجبّانة كان مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم", وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي » , وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه يقول: ظهر المسجد كقعره .

وإلى هذا ذهب الحنفيّة والحنابلة وهو اختيار ابن تيميّة , قال ابن عابدين:"ومعلوم أنّه قد زيد في المسجد النّبويّ , فقد زاد فيه عمر ثمّ عثمان ثمّ الوليد ثمّ المهدي , والإشارة بهذا إلى المسجد المضاف إليه صلّى اللّه عليه وسلّم , ولا شكّ أنّ جميع المسجد الموجود الآن يسمّى مسجده صلّى اللّه عليه وسلّم , فقد اتّفقت الإشارة والتّسمية على شيء واحد فلم تلغ التّسمية فتحصل المضاعفة المذكورة في الحديث , فيما زيد فيه".

ونقل الجراعي عن ابن رجب مثل ذلك , وأنّه قد قيل إنّه لا يعلم عن السّلف في ذلك خلاف . وروي عن الإمام أحمد التّوقّف .

ورجّح السّمهودي - من المالكيّة - أنّ ما زيد في المسجد النّبويّ داخل في الأفضليّة الواردة بالحديث , ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه سئل عن حدّ المسجد الّذي جاء فيه الخبر هل هو على ما كان في عهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أو هو على ما عليه الآن ؟ فقال بل هو على ما هو الآن , وقال لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر بما يكون بعده وزويت له الأرض فأري مشارق الأرض ومغاربها , وتحدّث بما يكون بعده فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت ونسي ذلك من نسيه , ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الرّاشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة الصّحابة ولم ينكر عليهم ذلك منكر .

لكن قال الأبي في شرح الحديث: « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة . . . » إنّ التّفضيل مختصٌّ بمسجده الّذي كان في زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم دون ما زيد فيه بعد ذلك, فلا يتناول التّفضيل ما زاد فيه عثمان لأنّه من اتّخاذه , ويدل على أنّه من اتّخاذه احتجاجه حين أنكر عليه فيه الزّيادة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: « من بنى مسجدًا بنى اللّه له بيتًا في الجنّة » , فجعله من بنائه لنفسه .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ هذه الفضيلة مختصّة بنفس مسجده صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده .

وإلى هذا ذهب ابن عقيل وابن الجوزيّ وجمع من الحنابلة .

د - نذر المشي إلى المسجد النّبويّ:

16 -اختلف الفقهاء في حكم الوفاء على من نذر المشي إلى مسجد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم , فيرى الحنفيّة أنّه لا يلزمه الوفاء به , لأنّ من شروط النّذر عندهم أن يكون قربةً مقصودةً وأن يكون من جنسه واجب أو فرض , والذّهاب إلى المسجد النّبويّ غير واجب بخلاف ما لو نذر المشي إلى المسجد الحرام فإنّه يلزمه الوفاء به .

وإلى ذلك ذهب الشّافعيّة .

ويرى المالكيّة وجوب الوفاء بالنّذر إن نوى صلاةً أو صومًا أو اعتكافًا , لكن لا يلزمه المشي وله أن يذهب راكبًا .

ويرى الحنابلة لزوم الوفاء بالنّذر ماشيًا , واستدلوا بقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: « لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا , والمسجد الأقصى » . وقالوا إنّه يلزمه - حينئذ - أن يصلّي في المسجد ركعتين لأنّ القصد بالنّذر القربة والطّاعة, وإنّما يكون تحصيل ذلك بالصّلاة فتضمّن ذلك نذره كما يلزم ناذر المشي إلى بيت اللّه الحرام أحد النسكين .

وللتّفصيل ينظر مصطلح: ( نذر )

هـ - زيارة قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم

17 -ذهب جمهور العلماء إلى أنّ زيارة قبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مستحبّة , وقالت طائفة إنّها سنّة مؤكّدة تقرب من درجة الواجبات , وهو المفتى به عند طائفة من الحنفيّة . وذهب الفقيه المالكي أبو عمران موسى بن عيسى الفاسي إلى أنّها واجبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت