9 -اتّفق الفقهاء على جواز تختّم المرأة بالفضّة . وأمّا تختّم الرّجل بالفضّة فعلى التّفصيل الآتي: ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز للرّجل التّختّم بالفضّة ، لما روي أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم اتّخذ خاتمًا من ورق ، وكان في يده ، ثمّ كان في يد أبي بكر رضي الله عنه ، ثمّ كان في يد عمر رضي الله عنه ، ثمّ كان في يد عثمان رضي الله عنه ، حتّى وقع في بئر أريس . نقشه: محمّد رسول اللّه » . وقالوا: إنّ التّختّم سنّة لمن يحتاج إليه ، كالسّلطان والقاضي ومن في معناهما ، وتركه لغير السّلطان والقاضي وذي حاجة إليه أفضل .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا بأس بالخاتم من الفضّة ، فيجوز اتّخاذه ، بل يندب بشرط قصد الاقتداء برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لبسه عجبًا .
وقال الشّافعيّة: يحلّ للرّجل الخاتم من الفضّة ، سواء من له ولاية وغيره ، فيجوز لكلّ لبسه ، بل يسنّ . وقال الحنابلة: يباح للذّكر الخاتم من الفضّة ، لأنّه صلى الله عليه وسلم « اتّخذ خاتمًا من ورق » ، قال أحمد في خاتم الفضّة للرّجل: ليس به بأس ، واحتجّ بأنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان له خاتم ، وظاهر ما نقل عن أحمد أنّه لا فضل فيه . وجزم به في التّلخيص وغيره ، وقيل: يستحبّ ، قدّمه في الرّعاية . وقيل: يكره لقصد الزّينة . جزم به ابن تميم . وأمّا تختّم الصّبيّ بالفضّة فجائز عند الفقهاء .
ثالثًا: التّختّم بغير الذّهب والفضّة:
10 -ذهب المالكيّة - في المعتمد عندهم - والحنابلة إلى أنّ التّختّم بالحديد والنّحاس والرّصاص مكروه للرّجال والنّساء ، لما روي « أنّ رجلًا جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عليه خاتم شبه - نحاس أصفر - فقال له: إنّي أجد منك ريح الأصنام فطرحه . ثمّ جاء وعليه خاتم حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه . فقال: يا رسول اللّه: من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال: اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالًا » .
وقال المالكيّة: إنّ التّختّم بالجلد والعقيق والقصدير والخشب جائز للرّجال والنّساء .
وقال الحنابلة: إنّه يباح للرّجل والمرأة التّحلّي بالجوهر والزّمرّد والزّبرجد والياقوت والفيروز واللّؤلؤ ، أمّا العقيق فقيل: يستحبّ تختّمهما به ، وقيل: يباح التّختّم بالعقيق لما في رواية مهنّا ، وقد سئل الإمام أحمد: ما السّنّة ؟ يعني في التّختّم ، فأجاب بقوله: لم تكن خواتيم القوم إلاّ من الفضّة . قال صاحب كشّاف القناع: الدّملج في معنى الخاتم .
واختلف الحنفيّة في التّختّم بغير الذّهب والفضّة .
والحاصل كما قال ابن عابدين: أنّ التّختّم بالفضّة حلال للرّجال بالحديث ، وبالذّهب والحديد والصّفر حرام عليهم بالحديث ، وبالحجر حلال على اختيار شمس الأئمّة وقاضي خان أخذًا من قول الرّسول وفعله صلى الله عليه وسلم ، لأنّ حلّ العقيق لمّا ثبت بهما ثبت حلّ سائر الأحجار لعدم الفرق بين حجر وحجر ، وحرام على اختيار صاحب الهداية والكافي أخذًا من عبارة الجامع الصّغير: ولا يتختّم إلاّ بالفضّة . فإنّها يحتمل أن يكون القصر فيها بالإضافة إلى الذّهب ، ولا يخفى ما بين المأخذين من التّفاوت .
واختلف الشّافعيّة أيضًا في التّختّم بغير الذّهب والفضّة ، وقد ورد في المجموع طرف من هذا الخلاف ، وهو: قال صاحب الإبانة: يكره الخاتم من حديد أو شبه - نوع من النّحاس - وتابعه صاحب البيان ، وأضاف إليهما الخاتم من رصاص ، وقال صاحب التّتمّة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث الواهبة نفسها ، ففيه قوله للّذي أراد تزوّجها: « انظر ولو خاتمًا من حديد » .
وفي حاشية القليوبيّ: ولا بأس بلبس غير الفضّة من نحاس أو غيره .
رابعًا: موضع التّختّم:
11 -لم يختلف الفقهاء في موضع التّختّم بالنّسبة للمرأة ، لأنّه تزيّن في حقّها ، ولها أن تضع خاتمها في أصابع يديها أو رجليها أو حيث شاءت .
ولكنّ الفقهاء اختلفوا في موضع التّختّم للرّجل ، بل إنّ فقهاء بعض المذاهب اختلفوا فيما بينهم في ذلك: فذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه ينبغي أن يكون تختّم الرّجل في خنصر يده اليسرى ، دون سائر أصابعه ، ودون اليمنى .
وذهب بعضهم إلى أنّه يجوز أن يجعل خاتمه في يده اليمنى ، وسوّى الفقيه أبو اللّيث في شرح الجامع الصّغير بين اليمين واليسار ، لأنّه قد اختلفت الرّوايات عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وقول بعضهم: إنّه في اليمين من علامات أهل البغي ليس بشيء ، لأنّ النّقل الصّحيح عن « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفي ذلك » .
والمختار عند مالك رحمه الله التّختّم في اليسار على جهة النّدب ، وجعل الخاتم في الخنصر ، وكان مالك يلبسه في يساره ، قال أبو بكر بن العربيّ في القبس شرح الموطّأ: صحّ عن
« رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه تختّم في يمينه وفي يساره ، واستقرّ الأكثر على أنّه كان يتختّم في يساره » ، فالتّختّم في اليمين مكروه ، ويتختّم في الخنصر ، لأنّه بذلك أتت السّنّة عنه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به حسن . ولأنّ كونه في اليسار أبعد عن الإعجاب . وقال الشّافعيّة: يجوز للرّجل لبس خاتم الفضّة في خنصر يمينه ، وإن شاء في خنصر يساره ، كلاهما صحّ فعله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكنّ الصّحيح المشهور أنّه في اليمين أفضل لأنّه زينة ، واليمين أشرف .