وقال بعضهم: في اليسار أفضل . وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يتختّم في يساره ، وبإسناد حسن أنّ ابن عبّاس رضي الله عنهما تختّم في يمينه. وعند الشّافعيّة أنّ التّختّم في الوسطى والسّبّابة منهيّ عنه لما ورد عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: « نهاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أتختّم في أصبعي هذه أو هذه قال: فأومأ إلى الوسطى والّتي تليها » .
وقال الحنابلة: لبس الخاتم في خنصر اليسار أفضل من لبسه في خنصر اليمين ، نصّ عليه في رواية صالح ، وضعّف في رواية الأثرم وغيره التّختّم في اليمنى ، قال الدّارقطنيّ وغيره: المحفوظ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتختّم في يساره ، وأنّه إنّما كان في الخنصر لكونه طرفًا ، فهو أبعد عن الامتهان فيما تتناوله اليد ، ولأنّه لا يشغل اليد عمّا تتناوله . وعند الحنابلة أنّه يكره لبس الخاتم في سبّابة ووسطى للنّهي الصّحيح عن ذلك .
وظاهره لا يكره لبسه في الإبهام والبنصر ، وإن كان الخنصر أفضل اقتصارًا على النّصّ .
خامسًا: وزن خاتم الرّجل:
12 -اختلف الفقهاء في الوزن المباح لخاتم الرّجل: فعند الحنفيّة ، قال الحصكفيّ: لا يزيد الرّجل خاتمه على مثقال . ورجّح ابن عابدين قول صاحب الذّخيرة أنّه لا يبلغ به المثقال ، واستدلّ بما روي أنّ « رجلًا سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم قائلًا: من أيّ شيء أتّخذه ؟ - يعني الخاتم - فقال صلى الله عليه وسلم: اتّخذه من ورق ، ولا تتمّه مثقالًا » .
وقال المالكيّة: يجوز للذّكر لبس خاتم الفضّة إن كان وزن درهمين شرعيّين أو أقلّ ، فإن زاد عن درهمين حرم .
ولم يحدّد الشّافعيّة وزنًا للخاتم المباح ، قال الخطيب الشّربينيّ: لم يتعرّض الأصحاب لمقدار الخاتم المباح ، ولعلّهم اكتفوا فيه بالعرف ، أي عرف البلد وعادة أمثاله فيها ، فما خرج عن ذلك كان إسرافًا ... هذا هو المعتمد ، وإن قال الأذرعيّ: الصّواب ضبطه بدون مثقال ، لما في صحيح ابن حبّان وسنن أبي داود عن أبي هريرة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للابس الخاتم الحديد: ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه وقال: يا رسول اللّه من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال: اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالًا » قال: وليس في كلامهم ما يخالفه . وهذا لا ينافي ما ذكر لاحتمال أنّ ذلك كان عرف بلده وعادة أمثاله .
وقال الحنابلة: لا بأس بجعله مثقالًا فأكثر ، لأنّه لم يرد فيه تحديد ، ما لم يخرج عن العادة ، وإلاّ حرم ( قالوا ) لأنّ الأصل التّحريم ، وإنّما خرج المعتاد لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل الصّحابة .
سادسًا: عدد خواتم الرّجل:
13 -اختلف الفقهاء في حكم تعدّد خواتم الرّجل:
فنصّ المالكيّة على أنّه لا يباح للرّجل أكثر من خاتم واحد ، فإن تعدّد الخاتم حرم ولو كان في حدود الوزن المباح شرعًا .
واختلف فقهاء الشّافعيّة في تعدّد الخاتم ، ونقل صاحب مغني المحتاج جانبًا من هذا الخلاف في قوله: وفي الرّوضة وأصلها: ولو اتّخذ الرّجل خواتيم كثيرةً ليلبس الواحد منها بعد الواحد جاز ، فظاهره الجواز في الاتّخاذ دون اللّبس ، وفيه خلاف مشهور ، والّذي ينبغي اعتماده فيه أنّه جائز ما لم يؤدّ إلى سرف .
وقال الحنابلة: لو اتّخذ الرّجل لنفسه عدّة خواتيم ، فالأظهر جوازه إن لم يخرج عن العادة ، والأظهر جواز لبس الرّجل خاتمين فأكثر جميعًا إن لم يخرج عن العادة .
ولم نجد كلامًا للحنفيّة في هذه المسألة .
سابعًا: النّقش على الخاتم:
14 -اتّفق الفقهاء على جواز النّقش على الخاتم ، وعلى أنّه يجوز نقش اسم صاحب الخاتم عليه ، واختلفوا في نقش لفظ الجلالة أو الذِّكْر:
فقال الحنفيّة والشّافعيّة: يجوز أن ينقش لفظ الجلالة أو ألفاظ الذّكر على الخاتم ، ولكنّه يجعله في كمّه إن دخل الخلاء ، وفي يمينه إذا استنجى .
وقال الحنابلة: يكره أن يكتب على الخاتم ذكر اللّه تعالى من القرآن أو غيره نصًّا ، قال إسحاق بن راهويه: لا يدخل الخلاء به ، وقال في الفروع: ولعلّ أحمد كرهه لذلك ، قال: ولم أجد للكراهة دليلًا سوى هذا ، وهي تفتقر إلى دليل والأصل عدمه . وقال الحنابلة أيضًا: يحرم أن ينقش عليه صورة حيوان ، ويحرم لبسه والصّورة عليه كالثّوب المصوّر ، ولم ير بعض الحنفيّة بأسًا في نقش ذلك إذا كان صغيرًا بحيث لا يبصر عن بعد .
ثامنًا: فصّ الخاتم:
15 -ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يجوز أن يكون لخاتم الرّجل المباح فصّ من مادّته الفضّيّة أو من مادّة أخرى على التّفصيل الآتي:
قال الحنفيّة: يجوز للرّجل أن يجعل فصّ خاتمه عقيقًا أو فيروزجًا أو ياقوتًا أو نحوه ، ولا بأس بسدّ ثقب الفصّ بمسمار الذّهب ليحفظ به الفصّ ، لأنّه قليل ، فأشبه العلم في الثّوب فلا يعدّ لابسًا له ، ويجعل الرّجل فصّ خاتمه إلى بطن كفّه بخلاف النّساء ، لأنّه للزّينة في حقّهنّ دون الرّجال . وقال المالكيّة: لا بأس بالفضّة في حلية الخاتم ... ثمّ اختلفوا في الشّرح ، فقال بعضهم: تكون الحلية من الفضّة في خاتم من شيء جائز غير الحديد والنّحاس والرّصاص ، كالجلد والعود أو غير ذلك ممّا يجوز ، فيجعل الفصّ فيه .
وقال بعضهم: يكون الخاتم كلّه من الفضّة لما في صحيح مسلم: « كان خاتم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من ورق ، وكان فصّه حبشيًّا » أي كان صانعه حبشيًّا ، أو كان مصنوعًا كما يصنعه أهل الحبشة فلا ينافي رواية: أنّ فصّه منه .
وقال المالكيّة: لا يجوز للذّكر خاتم بعضه ذهب ولو قلّ .