... الآية . أمّا اللّحية الكثيفة - وهي الّتي لا تظهر البشرة تحتها - فيجب غسل ظاهرها ، ولو كانت مسترسلةً عند المالكيّة ، وهو المشهور عند الشّافعيّة ، وظاهر مذهب الحنابلة . وعند الحنفيّة - وهو قول آخر للشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة - أنّه لا يجب غسل ما استرسل من اللّحية ، لأنّه خارج عن دائرة الوجه ، فأشبه ما نزل من شعر الرّأس .
ولأنّ اللّه تعالى أمر بغسل الوجه ، وهو ما تحصل به المواجهة ، وفي اللّحية الكثيفة تحصل المواجهة بالشّعر الظّاهر .
أمّا باطنها فلا يجب غسله اتّفاقًا بين فقهاء المذاهب ، لما روى البخاريّ « أنّه صلى الله عليه وسلم توضّأ فغسل وجهه ، أخذ غرفةً من ماء فمضمض بها واستنشق ، ثمّ أخذ غرفةً من ماء فجعل بها هكذا: أضافها إلى يده الأخرى ، فغسل بها وجهه » وكانت لحيته الكريمة كثيفةً ، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى باطنها غالبًا ، ويعسر إيصال الماء إليه .
7-ويسنّ تخليل اللّحية الكثيفة عند الحنفيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ، لما روي عن أنس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا توضّأ أخذ كفًّا من ماءٍ تحتَ حنكِه فخلَّلَ به لحيتَه ، وقال: هكذا أمرني ربِّي » .
وعند المالكيّة في تخليل شعر اللّحية الكثيفة ثلاثة أقوال: الوجوب ، والكراهة والاستحباب ، أظهرها الكراهة لما في ذلك من التّعمّق .
8-أمّا في الغسل فلا يكفي مجرّد التّخليل ، بل يجب إيصال الماء إلى أصول شعر اللّحية ولو كثيفةً اتّفاقًا بين المذاهب ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « تحت كلّ شعرة جنابة ، فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشرة » .
ولكي يتأكّد من وصول الماء إلى أصول الشّعر ويتجنّب الإسراف قالوا: يدخل المغتسل أصابعه العشر يروي بها أصول الشّعر ، ثمّ يفيض الماء ليكون أبعد عن الإسراف في الماء . ومن عبّر بوجوب تخليل اللّحية كالمالكيّة ، أراد بذلك أيضًا إيصال الماء إلى أصول الشّعر .
-2 - تخليل شعر الرّأس:
9 -اتّفق الفقهاء على أنّه يجب إرواء أصول شعر الرّأس في الغسل ، سواء كان الشّعر خفيفًا أو كثيفًا ، لما روت « أسماء رضي الله عنها أنّها سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة فقال: تأخذ إحداكنّ ماءَها وسدرتَها فتطهِّر فتحسن الطّهور ، ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه ، حتّى تبلغ شؤون رأسها ، ثمّ تفيض عليها الماء » ، وعن عليّ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به من النّار كذا وكذا » ، قال عليّ: فمن ثَمَّ عاديت شعري"وعلى ذلك فلا يجزي مجرّد تخليل الشّعر في الغسل عند الفقهاء ."
وقد صرّح فقهاء المالكيّة بوجوب تخليل شعر الرّأس ولو كثيفًا ، للتّأكّد من وصول الماء إلى أصوله ، حيث قالوا: ويجب تخليل شعر ولو كثيفًا وضغث مضفوره - أي جمعه وتحريكه - ليعمّه بالماء ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة .
ولا يختلف حكم الشّعر بالنّسبة للمحرم وغير المحرم عند جمهور الفقهاء ، لكنّ المحرم يخلّل برفق لئلاّ يتساقط الشّعر . وقال الحنفيّة: يكره التّخليل للمحرم .
ثانيًا: تخليل الأسنان:
10 -تنظيف الأسنان بالسّواك سنّة من سنن الفطرة ، وينظر تفصيله في مصطلح: ( استياك ) .
11 -أمّا تخليلها بعد الأكل بالخلال لإخراج ما بينها من الطّعام ، فقد ذكره الفقهاء في آداب الأكل . قال البهوتيّ الحنبليّ: يستحبّ أن يخلّل أسنانه إن علق بها شيء من الطّعام ، قال في المستوعب: روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: ترك الخلال يوهن الأسنان . وروي: « تخلّلوا من الطّعام ، فإنّه ليس شيء أشدّ على الملكين أن يريا بين أسنان صاحبهما طعامًا وهو يصلّي » . قال الأطبّاء: وهو نافع أيضًا للّثة ومن تغيّر النّكهة .
ولا يخلّل أسنانه في أثناء الطّعام ، بل إذا فرغ . ومثله ما ذكر في كتب سائر المذاهب .
ما تخلّل به الأسنان:
12 -يسنّ التّخليل قبل السّواك وبعده ، ومن أثر الطّعام ، وكون الخلال من عود ، ويكره بالحديد ونحوه ، وبعود يضرّه كرمّان وآس ، ولا يخلّل بما يجهله لئلاّ يكون ممّا يضرّه ، وكذا ما يجرحه كما صرّح به الفقهاء .
ولا يجوز تخليل الأسنان أو الشّعر بآلة من الذّهب أو الفضّة ، وهذا باتّفاق المذاهب الأربعة ، وتفصيله في مصطلح: ( آنية ) .
واختلفت عبارات الفقهاء في جواز بلع ما يخرج من خلال الأسنان: فقال الشّافعيّة والحنابلة ، يلقي ما أخرجه الخلال ، ويكره أن يبتلعه ، وإن قلعه بلسانه لم يكره ابتلاعه كسائر ما بفمه . وقال المالكيّة: يجوز بلع ما بين الأسنان إلاّ لخلطه بدم ، فليس مجرّد التّغيّر يصيّره نجسًا خلافًا لما قيل .
ثالثًا: تخليل الخمر:
13 -اتّفق الفقهاء على أنّ الخمر إذا تخلّلت بغير علاج ، بأن تغيّرت من المرارة إلى الحموضة وزالت أوصافها ، فإنّ ذلك الخلّ حلال طاهر ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « نِعْمَ الأُدْمُ أو الإِدَامُ الخَلُّ » ، ولأنّ علّة النّجاسة والتّحريم الإسكار ، وقد زالت ، والحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا .
وكذلك إذا تخلّلت بنقلها من شمس إلى ظلّ وعكسه عند جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وبه قال الحنابلة إذا كان النّقل لغير قصد التّخليل .