فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 2053

9-أمّا إذا ضمّت أنواعًا مختلفةً من جنس واحد لتكميل نصاب السّائمة ، كأن تضمّ العراب إلى البخاتيّ من الإبل ، والجواميس إلى البقر ، والضّأن إلى المعز من الغنم: فعند المالكيّة يخيّر السّاعي في الأخذ من أيّها شاء إذا تساوى النّوعان المضمومان ، وإذا لم يتساويا أخذ من الأكثر إذ الحكم للأغلب . وعند الشّافعيّة ثلاثة أقوال في المذهب:

أحدها: أنّه يؤخذ من الأغلب ، فإن استويا يؤخذ من الأغبط للمساكين على المذهب ، وذلك باعتبار القيمة ، كاجتماع الحقاق وبنات اللّبون .

والقول الثّاني: أنّه يؤخذ من الأعلى ، كما لو انقسمت إلى صحاح ومراض .

والقول الثّالث: أنّه يؤخذ من الوسط كما في الثّمار ، وهو مذهب الحنفيّة .

وعند الحنابلة أنّه يؤخذ من أحدهما على قدر قيمة المالين المزكّيين ، فإذا كان النّوعان سواءً ، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر ، والمخرج من الآخر خمسة عشر ، أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف .

10 -فإن اتّفق في نصاب فرضان ، كالمائتين من الإبل ، وهي نصاب خمس بنات لبون ونصاب أربع حقاق ، فيخيّر بينهما ، فإن شاء أخرج أربع حقاق ، وإن شاء أخرج خمس بنات لبون ، لحديث: « فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون » ، ولأنّه وجد ما يقتضي إخراج كلّ نوع منهما .

والخيار في هذا للمالك ، وهذا باتّفاق الفقهاء ، وللشّافعيّ في القديم أنّه تجب أربع حقاق ، لأنّه إذا أمكن تغيّر الفرض بالسّنّ ، لم يغيّر بالعدد .

ثالثًا: التّخيير في فدية الجناية على الإحرام في الحجّ

11 -اتّفق الفقهاء على أنّ المحرم إذا جنى على إحرامه بأن حلق شعره ، أو قلّم أظفاره ، أو تطيّب ، أو لبس مخيطًا ، أنّه تجب عليه الفدية وهي على التّخيير بين خصال ثلاث: فإمّا أن يهدي شاةً ، أو يطعم ستّة مساكين ، أو يصوم ثلاثة أيّام .

وتفصيل موجب الفدية تقدّم في مصطلح: ( إحرام ) .

12 -ودليل ذلك قوله تعالى: { فَمَنْ كانَ مِنْكم مَرِيْضًَا أو به أَذًى منْ رَأْسِه فَفِدْيَةٌ منْ صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُك } . ولحديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: لعلّك آذاك هوامّ رأسك ، قال: نعم يا رسول اللّه ، فقال صلى الله عليه وسلم: احلق رأسك وصم ثلاثةً ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو انسك شاةً » .

وقصر الحنفيّة التّخيير في الفدية على أصحاب الأعذار ، أمّا غير المعذور فيفدي بذبح شاة ، ولا خيار له في غيرها . ولم يفرّق الجمهور بينهما .

ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه ، أنّ الآية واردة في المعذور بدليل حديث كعب بن عجرة المفسّرة للآية ، فجاء في رواية: « قال: حملت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي ، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى . أتجد شاةً ؟ فقلت: لا ، فقال: صم ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع » . فدلّ على أنّه كان معذورًا وحملت الآية عليه .

ودليل الجمهور ما تقدّم في الآية والحديث من التّخيير بلفظ"أو".

13 -والحكم ثابت في غير المعذور بطريق التّنبيه تبعًا للمعذور ، لأنّ كلّ كفّارة ثبت التّخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه .

14 -كما يثبت التّخيير في كفّارة قتل الصّيد في الحرم .

ويخيّر فيه قاتله بين ثلاث خصال: فإمّا أن يهدي مثل ما قتله من النَّعَم لفقراء الحرم ، إن كان الصّيد له مثل من الإبل أو البقر أو الغنم . أو أن يقوّمه بالمال ، ويقوّم المال طعامًا ، ويتصدّق بالطّعام على الفقراء . وهذا مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، أمّا المالكيّة فذهبوا إلى أنّ الصّيد يقوّم ابتداءً بالطّعام ، ولو قوّمه بالمال ثمّ اشترى به طعامًا أجزأه . والخصلة الثّالثة الّتي يخيّر فيها قاتل الصّيد أن يصوم عن كلّ مدّ من الطّعام يومًا . ودليل الاتّفاق على التّخيير في كفّارة صيد الحرم قوله تعالى: { هَدْيًَا بَالِغَ الكعبَةِ أو كفّارةٌ طعامُ مساكين أو عَدْلُ ذلك صيامًَا } و"أو"تفيد التّخيير .

رابعًا: من أسلم على أكثر من أربع نسوة:

15 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة ومحمّد بن الحسن إلى تخيير من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة ، أو أختان ، أو من لا يحلّ له الجمع بينهنّ بنسب أو رضاع ، فيخيّر في إمساك من أراد منهنّ ، بأن يمسك أربعًا أو أقلّ ، أو أن يمسك إحدى الأختين ، وهكذا . ويفسخ نكاحه ممّن سوى من اختارهنّ . وذلك لحديث قيس بن الحارث قال: « أسلمتُ وتحتي ثمان نسوة ، فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك ، فقال: اختر منهنّ أربعًا » . ولحديث محمّد بن سويد الثّقفيّ: « أنّ غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة ، فأسلمن معه ، فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يختار منهنّ أربعًا » .

وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الكافر إذا أسلم وتحته خمس نسوة فصاعدًا أو أختان بطل نكاحهنّ ، إن كان قد تزوّجهنّ بعقد واحد ، فإن كان قد رتّب فالآخر هو الّذي يبطل . ودليلهم على ما ذهبوا إليه أنّ هذه العقود فاسدة ، ولكنّا لا نتعرّض لهم ، لأنّا أمرنا بتركهم وما يدينون ، فإذا أسلموا بطلت الأنكحة الفاسدة .

16 -ومن أحكام التّخيير في هذا الباب وآثاره: أنّ الاختيار يحصل باللّفظ الصّريح كأن يقول: اخترت نكاح هؤلاء ، أو اخترت إمساكهنّ ، كما يحصل بأن يطلّق بعضهنّ ، لأنّ الطّلاق لا يكون إلاّ لزوجة . كما يحصل إذا وطئها ، وإذا وطئ الكلّ يتعيّن الأربع الأول للإمساك ، وما عداهنّ يتعيّن للتّرك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت