وخالف الشّافعيّة في اعتبار الوطء اختيارًا ، لأنّ الاختيار رهنًا كالابتداء ، ولا يصحّ ابتداء النّكاح واستدامته إلاّ بالقول . وإذا لم يختر أجبر على الاختيار بالحبس أو بالتّعزير بالضّرب وغيره ، لأنّ الاختيار حقّ عليه ، فألزم بالخروج منه إن امتنع كسائر الحقوق .
وعن ابن أبي هريرة من الشّافعيّة أنّه لا يضرب مع الحبس ، بل يشدّد عليه الحبس ، فإن أصرّ عزّر ثانيًا وثالثًا إلى أن يختار . وإذا حبس لا يعزّر على الفور . فلعلّه يؤخّر ليفكّر فيتخيّر بعد رويّة وإمعان نظر . ومدّة الإمهال ثلاثة أيّام . وليس للحاكم أن يختار على الممتنع ، لأنّ الحقّ لغير معيّن ، وهو اختيار رغبة ، فكان من حقّ الزّوج .
ومن الأحكام كذلك: أنّه إذا أسلم بعض زوجاته ، وليس البواقي كتابيّات ، فينحصر تخييره في المسلمات فقط ، وليس له أن يختار من لم يسلمن ، لعدم حلّهنّ له .
ومن الأحكام أنّه يلزم الزّوج النّفقة لجميعهنّ في مدّة التّخيير إلى أن يختار ، لأنّهنّ محبوسات لأجله ، وهنّ في حكم الزّوجات .
خامسًا: تخيير الطّفل في الحضانة:
17 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى تخيير المحضون بين أبيه وأمّه إذا تنازعا فيه على ما يأتي من التّفصيل ، فيلحق بأيّهما اختار . فإن اتّفقا على أن يكون المحضون عند أحدهما جاز ، وعند الشّافعيّة يبقى التّخيير وإن أسقط أحدهما حقّه قبل التّخيير - خلافًا للماورديّ والرّويانيّ - ولا فرق في التّخيير بين الذّكر والأنثى .
وعند الحنابلة: يخيّر الغلام إذا بلغ سبع سنين عاقلًا ، لأنّها السّنّ الّتي أمر الشّرع فيها بمخاطبته بالصّلاة . وحدّه الشّافعيّة بالتّمييز بأن يأكل وحده ، ويشرب وحده ، ولم يعتبروا بلوغه السّابعة حدًّا ، فلو جاوز السّبع بلا تمييز بقي عند أمّه ، ولا فرق في هذا بين الذّكر والأنثى . وهذا يخالف في ظاهره ما ورد من أمره بالصّلاة إذا بلغ سبع سنين ، وعدم أمره بها قبل أن يبلغها وإن ميّز . والفرق بينهما أنّ في أمره بالصّلاة قبل السّبع مشقّةً ، فخفّف عنه ذلك . بخلاف الحضانة ، لأنّ المدار في التّخيير على معرفة ما فيه صلاح نفسه وعدمه ، فيقيّد بالتّمييز ، وإن لم يجاوز السّبع .
وفرّق الحنابلة بين الذّكر والأنثى ، فيخيّر الصّبيّ إذا بلغ سبع سنين ، أمّا البنت فتكون في حضانة والدها إذا تمّ لها سبع سنين ، حتّى سنّ البلوغ ، وبعد البلوغ تكون عند الأب أيضًا إلى الزّفاف وجوبًا ، ولو تبرّعت الأمّ بحضانتها ، لأنّ الغرض من الحضانة الحفظ ، والأب أحفظ لها . ولأنّها تخطب منه ، فوجب أن تكون تحت نظره .
18 -والتّخيير في الحضانة مشروط بالسّلامة من الفساد ، فإذا علم أنّه يختار أحدهما ليمكّنه من الفساد ، ويكره الآخر لما سيلزمه به من أدب ، لم يعمل بمقتضى اختياره ، لأنّه مبنيّ على الشّهوة ، فيكون فيه إضاعة له .
كما أنّه مشروط بأن يظهر للحاكم معرفته بأسباب الاختيار .
19 -ودليل التّخيير ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: « جاءت امرأة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد سقاني من بئر أبي عنبة ونفعني ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: هذا أبوك وهذه أمّك ، فخذ بيد أيّهما شئت ، فأخذ بيد أمّه ، فانطلقت به » وما ورد من قضاء عمر بذلك .
20 -ومن أحكام التّخيير: أنّه لو امتنع المختار من كفالة المحضون كفله الآخر ، فإن رجع الممتنع منها أعيد التّخيير . وإن امتنعا أي الأب والأمّ ، خيّر بين الجدّ والجدّة ، وإلاّ أجبر عليها من تلزمه نفقته ، لأنّها من جملة الكفالة .
21 -ومن أحكامه كذلك أنّ المميّز الّذي لا أب له يخيّر بين أمّ وإن علت وجدّ وإن علا ، عند فقد من هو أقرب منه ، أو قيام مانع به لوجود الولادة في الكلّ .
22 -ومن أحكامه كذلك أنّ المميّز إن اختار أحد الأبوين ، ثمّ اختار الآخر حوّل إليه ، لأنّه قد يظهر الأمر على خلاف ما ظنّه ، أو يتغيّر حال من اختاره أوّلًا .
إلاّ إذا ظهر أنّ سبب اختياره للآخر قلّة عقله ، فيجعل عند أمّه وإن بلغ ، كما قبل التّمييز .
23 -ومن الأحكام كذلك: أنّ المحضون إذا اختار أبويه معًا أقرع بينهما لانتفاء المرجّح . أمّا إذا لم يختر واحدًا منهما ، فعند الشّافعيّة الأمّ أولى ، لأنّها أشفق واستصحابًا لما كان عليه . وعند الحنابلة: يقرع بينهما ، لأنّه لا أولويّة حينئذ لأحدهما ، وهو قول للشّافعيّة . فإذا اختار المحضون غير من قدّم بالقرعة ردّ إليه ، كما لو اختاره ابتداءً .
ولا يخيّر الغلام إذا كان أحد أبويه ليس من أهل الحضانة ، لأنّه غير أهل فيكون وجوده كعدمه ، ويتعيّن أن يكون الغلام عند الآخر . وإن اختار ابن سبع أباه ثمّ زال عقله ردّ إلى الأمّ ، لحاجته إلى من يتعهّده كالصّغير ، وبطل اختياره لأنّه لا حكم لكلامه .
أمّا الحنفيّة والمالكيّة فذهبوا إلى أنّه لا خيار للصّغير ذكرًا كان أو أنثى ، وأنّ الأمّ أحقّ بهما. وعند الحنفيّة يبقى الصّبيّ عند أمّه إلى أن يستغني بنفسه ، بأن يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده ويلبس وحده . وعند المالكيّة إلى البلوغ في المشهور من المذهب ، ويقابل المشهور ما قاله ابن شعبان: إنّ أمد الحضانة في الذّكر حتّى يبلغ عاقلًا غير زمن .