أمّا البنت فعند الحنفيّة تبقى حضانة أمّها إلى أن تحيض . وبعد البلوغ تحتاج إلى التّحصين والحفظ والأب فيه أقوى . وعن محمّد بن الحسن أنّ البنت تدفع إلى الأب إذا بلغت حدّ الشّهوة ، لتحقّق الحاجة إلى الصّيانة . أمّا عند المالكيّة فتبقى عند أمّها إلى أن يدخل بها زوجها ، لأنّها تحتاج إلى معرفة آداب النّساء ، والمرأة على ذلك أقدر .
24 -والعلّة في عدم تخيير المحضون عند الحنفيّة والمالكيّة هي: قصور عقله الدّاعي إلى قصور اختياره . فقد يختار من عنده الدّعة والتّخلية بينه وبين اللّعب ، فلا يتحقّق المقصود من الحضانة وهو النّظر في مصالح المحضون .
وما ورد من أحاديث تفيد تخيير الطّفل ، جاء فيها أنّ اختياره كان لدعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يهديه إلى الأصلح . كما جاء في حديث « رافع بن سنان أنّه أسلم ، وأبت امرأته أن تسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم ، وقال رافع: ابنتي . فأقعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم الأمّ ناحيةً ، والأب ناحيةً ، وأقعد الصّبيّة ناحيةً وقال لهما: ادعواها فمالت الصّبيّة إلى أمّها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:"اللّهمّ اهدها"فمالت إلى أبيها فأخذها » .
وجاء في رواية أنّه ابنهما وليست بنتهما ، ولعلّهما قضيّتان مختلفتان .
كما يحمل ما ورد في تخيير الغلام على أنّه كان بالغًا ، بدليل أنّه كان يستسقي من بئر أبي عنبة ، ومن يكون دون البلوغ لا يرسل إلى الآبار للخوف عليه من السّقوط .
سادسًا: تخيير الإمام في الأسرى:
25 -اتّفق الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة على تخيير إمام المسلمين في أسرى الحرب بين خمس خصال: فإمّا أن يسترقّهم ، وإمّا أن يقتلهم ، وإمّا أن يأخذ الجزية منهم ، وإمّا أن يطلب الفدية مقابل إعتاقهم سواء بالمال ، أو بمفاداتهم بأسرى المسلمين الّذين في أيدي الكفّار ، وإمّا أن يمنّ عليهم فيعتقهم . واستثنى الحنفيّة الخصلتين الأخيرتين ، وهما الفداء والمنّ ، فقالوا بعدم جواز المنّ ، وعدم جواز المفاداة بالمال في المشهور من المذهب ، أمّا المفاداة بأسرى المسلمين فلا يجوز في قول لأبي حنيفة ، وجائز في قول الصّاحبين ، وهو قول لأبي حنيفة كذلك . وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في بحث ( أسرى ) .
ودليل جواز أخذ الجزية قوله تعالى: { حتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صَاغِرُون } .
وكذلك ما جاء أنّ عمر رضي الله عنه فعل ذلك في أهل السّواد .
26 -وما تقدّم من تخيير الإمام في الأسرى محلّه في الرّجال البالغين ، أمّا النّساء والصّبيان فلا خيار فيهم ، ولا يحكم فيهم إلاّ بالاسترقاق ، وحكمهم حكم سائر أموال الغنيمة . كما في سبايا هوازن وخيبر وبني المصطلق . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنّه « نهى عن قتل النّساء والولدان » . وعند المالكيّة: للإمام الخيرة فيهم بين الاسترقاق والفداء . 27 - وتخيير الإمام بين هذه الخصال مقيّد بما يظهر له من المصلحة الرّاجحة في أحدها ، فيختار الأصلح للمسلمين من بينها . فإن كان الأسير ذا قوّة وشوكة فقتله هو المصلحة ، وإن كان ضعيفًا صاحب مال كانت المصلحة في أخذ الفدية منه ، وإن كان ممّن يرجى إسلامه فيمنّ عليه تقريبًا وتأليفًا لقلبه على الإسلام . وإن تردّد نظر الإمام ورأيه في اختيار الأصلح ، فعند الحنابلة القتل أولى لما فيه من كفاية شرّهم .
وعند الشّافعيّة يحبسهم حتّى يظهر له الأصلح .
فالتّخيير في تصرّف الإمام في الأسرى مقيّد بالمصلحة بخلاف التّخيير في خصال الكفّارة ، إذ هو تخيير مطلق أبيح للحانث بموجبه أن يختار أيّ خصلة دون النّظر إلى المصلحة .
28 -أمّا إذا اختار الإمام خصلةً بعد الاجتهاد وتقليب وجوه المصالح ، ثمّ ظهر له بالاجتهاد أنّ المصلحة في غيرها ، فقد قال ابن حجر في تحفة المحتاج: الّذي يظهر لي في ذلك تفصيل لا بدّ منه أوّلًا: فإن كانت رقًّا لم يجز له الرّجوع عنها مطلقًا ، سواء استرقّهم لسبب أم لغير سبب ، وذلك لأنّ أهل الخمس ملكوهم بمجرّد ضرب الرّقّ ، فلم يملك إبطاله عليهم إلاّ برضا من دخلوا في ملكهم . وإن اختار القتل جاز له الرّجوع عنه تغليبًا لحقن الدّماء ، كما في جواز رجوع المقرّ بالزّنى وسقوط القتل عنه ، بل إنّ الرّجوع عن قتل الأسير أولى ، لأنّه محض حقّ للّه تعالى ، أمّا حدّ الزّنا ففيه شائبة حقّ آدميّ .
أمّا إذا كان ما اختاره الإمام أوّلًا هو المنّ أو الفداء فلا يرجع عنه باجتهاد آخر ، لأنّه من قبيل نقض الاجتهاد بالاجتهاد من غير موجب ، كما أنّ الحاكم إذا اجتهد في قضيّة فلا ينقض اجتهاده باجتهاد آخر . أمّا إذا اختار أحدهما لسبب ، ثمّ زال ذلك السّبب ، وظهرت المصلحة في اختيار الثّاني لزمه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده ثانيًا ، وليس هذا من قبيل نقض الاجتهاد بالاجتهاد ، لأنّه انتقال إلى الاختيار الثّاني لزوال موجب الاختيار الأوّل . ويشترط في الاسترقاق والفداء اللّفظ الدّالّ على اختيارهما ، ولا يكفي مجرّد الفعل ، لأنّه لا يدلّ عليه دلالةً صريحةً . أمّا في غيرهما من الخصال ، فيكفي الفعل لدلالته الصّريحة على اختيارها .
سابعًا: تخيير الإمام في حدّ المحارب:
29 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حدّ المحارب يختلف باختلاف الجناية ، فلكلّ جناية عقوبتها ، كما في قوله تعالى: { إنَّمَا جَزَاءُ الّذينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ ورَسُولَه وَيَسْعَونَ في الأرضِ فَسَادًَا أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِم وأَرْجُلُهم منْ خِلافٍ أو يُنْفَوا منْ الأرضِ ذلك لهم خِزْيٌ في الدّنيا ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ } .