أمّا إذا اختلفت حاجاتهم فعليه أن يراعيها .
ولا يجب على المالك التّسوية بين آحاد الصّنف الواحد لعدم انضباط الحاجات الّتي من شأنها التّفاوت ، لكن يسنّ له التّسوية إن تساوت حاجاتهم ، فإن تفاوتت استحبّ التّفاوت بقدرها .
التّسوية بين الزّوجات في القسم:
8 -اتّفق الفقهاء على أنّ القسم بين الزّوجات واجب على الرّجل وإن كان مريضًا أو مجبوبًا أو عنّينًا ، لأنّ من مقاصد القسم الأنس ، وهو حاصل ممّن لا يطأ . فقد روت عائشة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا كان في مرضه جعل يدور على نسائه ، ويقول: أين أنا غدًا ؟ أين أنا غدًا ؟ » .
ويقسم للمريضة ، والحائض ، والنّفساء ، والرّتقاء ، والقرناء ، والمحرمة ، ومن آلى منها أو ظاهر ، والشّابّة ، والعجوز ، والقديمة ، والحديثة . لقوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً } الآية . وروي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعدل بين نسائه في القسم ويقول: اللّهمّ هذا قَسْمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما تملك أنتَ ولا أَملك » .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « من كان له امرأتان ، فمال إلى إحداهما دون الأخرى ، جاء يوم القيامة وشقّه مائل » .
ويسوّي في القسم بين المسلمة والكتابيّة لما ذكرنا من الدّلائل من غير فضل ، ولأنّهما يستويان في سبب وجوب القسم وهو النّكاح ، فيستويان في القسم .
وتفصيل القسم بين الزّوجات في الحضر والسّفر ، وفي بدء القسم ، وما يختصّ به العروس عند الدّخول وغير ذلك ، يرجع فيه إلى مصطلح ( القسم بين الزّوجات ) .
التّسوية بين المتخاصمين في التّقاضي:
9 -اتّفق الفقهاء أنّ على القاضي العدل بين الخصمين في كلّ شيء من المجلس ، والخطاب ، واللّحظ ، واللّفظ ، والإشارة ، والإقبال ، والدّخول عليه ، والإنصات إليهما ، والاستماع منهما ، والقيام لهما ، وردّ التّحيّة عليهما ، وطلاقة الوجه لهما ، للأحاديث الكثيرة الّتي ثبتت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: « من ابتلي بالقضاء بين المسلمين ، فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده ، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر » وفي رواية: « فَلْيُسَوِّ بينهم في النّظر والمجلس والإشارة » .
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه"أن آسِ بين النّاس في وجهك وعدلك ومجلسك ، حتّى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا ييأس ضعيف من عدلك".
ولأنّ مخالفة ذلك يوهم الخصم الآخر ميل القاضي إلى خصمه ، فيضعفه ذلك عن القيام بحجّته ، ولا يسارّ أحدهما دون الآخر ، ولا يلقّنه حجّته ، ولا يضحك في وجهه ، لأنّ في ذلك كلّه مخالفةً للمساواة المطلوبة .
ويشمل هذا الشّريف والوضيع والأب والابن ، والصّغير والكبير والرّجل والمرأة . كما اتّفقوا على تقديم الأوّل فالأوّل ، إذا حضر القاضي خصوم وازدحموا ، لأنّ الحقّ للسّابق ، فإن جهل الأسبق منهم ، أو جاءوا معًا أقرع بينهم ، وقدّم من خرجت قرعته ، إذ لا مرجّح إلاّ بها . فإن حضر مسافرون ومقيمون: فإن كان المسافرون قليلًا ، بحيث لا يضرّ تقديمهم على المقيمين قدّمهم ، لأنّهم على جناح السّفر ، ولئلاّ يتضرّروا بالتّخلّف .
وكذلك النّسوة يقدّمن على الرّجال طلبًا لسترهنّ ما لم يكثر عددهنّ أيضًا .
10 -ولكنّهم اختلفوا في حكم تسوية المسلم مع خصمه الكافر .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول مرجوح عند الشّافعيّة: إلى وجوب المساواة بينهما في كلّ الأمور المذكورة آنفًا ، لأنّ تفضيل المسلم على الكافر ورفعه عليه في مجلس القضاء كسر لقلبه ، وترك للعدل الواجب التّطبيق بين النّاس جميعًا .
وذهب الشّافعيّة في الرّاجح عندهم ، والحنابلة: إلى جواز رفع المسلم على خصمه الكافر ، لما روي عن عليّ رضي الله عنه من أنّه « خرج إلى السّوق ، فوجد درعه مع يهوديّ ، فعرفها فقال: درعي سقطت وقت كذا فقال اليهوديّ: درعي وفي يدي بيني وبينك قاضي المسلمين . فارتفعا إلى شريح رضي الله عنه ، فلمّا رآه شريح قام من مجلسه ، وأجلسه في موضعه ، وجلس مع اليهوديّ بين يديه ، فقال عليّ: إنّ خصمي لو كان مسلمًا لجلست معه بين يديك ، ولكنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « لا تساووهم في المجالس » اقض بينيّ وبينه يا شريح . والحديث: « الإسلام يعلو ولا يعلى » .
التّسوية بين الأولاد في العطيّة:
11 -اختلف العلماء في وجوب التّسوية بين الأولاد في العطيّة .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ التّسوية بينهم في العطايا مستحبّة ، وليست واجبةً . لأنّ الصّدّيق رضي الله عنه فضّل عائشة رضي الله عنها على غيرها من أولاده في هبة ، وفضّل عمر رضي الله عنه ابنه عاصمًا بشيء من العطيّة على غيره من أولاده .
ولأنّ في قوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث النّعمان بن بشير رضي الله عنهما: « فأشهد على هذا غيري » ما يدلّ على الجواز .
وذهب الحنابلة ، وأبو يوسف من الحنفيّة ، وهو قول ابن المبارك ، وطاووس ، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله: إلى وجوب التّسوية بين الأولاد في الهبة .