فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 2053

فإن خصّ بعضهم بعطيّة ، أو فاضل بينهم فيها أثم ، ووجبت عليه التّسوية بأحد أمرين: إمّا ردّ ما فضّل به البعض ، وإمّا إتمام نصيب الآخر ، لخبر الصّحيحين عن النّعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: « وهبني أبي هبةً . فقالت أمّي عمرة بنت رواحة رضي الله عنها: لا أرضى حتّى تشهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه: إنّ أمّ هذا أعجبها أن أشهدك على الّذي وهبت لابنها ، فقال صلى الله عليه وسلم يا بشير ألك ولد سوى هذا ؟ قال: نعم . قال: كلّهم وهبت له مثل هذا ؟ قال: لا . قال: فأرجعه » . وفي رواية قال: « اتّقوا اللّه ، واعدلوا بين أولادكم » وفي رواية أخرى « لا تشهدني على جور . إنّ لبنيك من الحقّ أن تعدل بينهم » وفي رواية: « فأشهد على هذا غيري » . وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « سوّوا بين أولادكم في العطيّة ، ولو كنت مؤثرًا أحدًا لآثرت النّساء على الرّجال » .

12 -واختلفوا كذلك في معنى التّسوية بين الذّكر والأنثى من الأولاد .

فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ معنى التّسوية بين الذّكر والأنثى من الأولاد: العدل بينهم في العطيّة بدون تفضيل ، لأنّ الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرّق بين الذّكر والأنثى .

وذهب الحنابلة ، والإمام محمّد بن الحسن من الحنفيّة ، وهو قول مرجوح عند الشّافعيّة إلى أنّ المشروع في عطيّة الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم: أي للذّكر مثل حظّ الأنثيين ، لأنّ اللّه سبحانه وتعالى قسم لهم في الإرث هكذا ، وهو خير الحاكمين ، وهو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا .

وإن سوّى بين الذّكر والأنثى ، أو فضّلها عليه ، أو فضّل بعض البنين أو بعض البنات على بعض ، أو خصّ بعضهم بالوقف دون بعض ، فقال أحمد في رواية محمّد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة فأكرهه ، وإن كان على أنّ بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس به .

وعلى قياس قول الإمام أحمد: لو خصّ المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضًا لهم على طلب العلم ، أو ذا الدّين دون الفسّاق ، أو المريض ، أو من له فضل من أجل فضيلته فلا بأس .

التّسوية في الشّفعة بين المستحقّين:

13 -اختلف الفقهاء في التّسوية في الشّفعة بين المستحقّين لها .

فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: إلى أنّهم يأخذون بالشّفعة على قدر حصصهم من الملك ، لأنّه حقّ مستحقّ بالملك على قدره ، فلو كانت أرض بين ثلاثة من الشّركاء مثلًا: لواحد نصفها ، ولآخر ثلثها ، ولثالث سدسها ، فباع الأوّل - وهو صاحب النّصف - حصّته أخذ الثّاني سهمين ، والثّالث سهمًا واحدًا .

وذهب الحنفيّة ، وهو قول مرجوح عند الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة ، واختاره جمع من المتأخّرين: إلى أنّ الشّركاء يقتسمون الشّقص على قدر رءوسهم ، وعلى هذا يقسم النّصف في المثال السّابق بين الشّريكين سواءً بسواء ، لأنّ سبب الشّفعة هو أصل الشّركة ، وهم مستوون فيها ، فيجب التّسوية بينهم في اقتسام المشفوع فيه .

التّسوية بين النّاس في المرافق العامّة:

14 -اتّفق الفقهاء على أنّ المرافق العامّة - من الشّوارع والطّرق ، وأفنية الأملاك ، والرّحاب بين العمران ، وحريم الأمصار ، ومنازل الأسفار ، ومقاعد الأسواق ، والجوامع والمساجد ، والأنهار الّتي أجراها اللّه سبحانه وتعالى ، والعيون الّتي أنبع اللّه ماءها ، والمعادن الظّاهرة وهي الّتي خرجت بدون عمل النّاس كالملح والماء والكبريت والكحل وغيرها والكلأ - اتّفقوا على أنّ هذه الأشياء من المنافع المشتركة بين النّاس ، فهم فيها سواسية ، فيجوز الانتفاع بها للمرور والاستراحة والجلوس والمعاملة والقراءة والدّراسة والشّرب والسّقاية ، وغير ذلك من وجوه الانتفاع .

ولكن لا يجوز اقتطاعها لأحد من النّاس ، ولا احتجازها دون المسلمين ، لأنّ فيه ضررًا بالمسلمين وتضييقًا عليهم . ويكون الحقّ فيها للسّابق حتّى يرتحل عنها ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « مِنًى مُنَاخ من سبق إليها » . ويشترط عدم الإضرار ، فإذا تضرّر به النّاس لم يجز ذلك بأيّ حال ، لقوله صلى الله عليه وسلم « لا ضرر ولا ضرار » .

تسوية القبر:

15 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى استحباب رفع القبر مقدار شبر من الأرض ، أو أكثر منه بقليل إن لم يخش نبشه من كافر أو نحوه ، وذلك ليعلم أنّه قبر فيزار ، ويترحّم على صاحبه ، ويحترم .

واستدلّوا بما صحّ من أنّ قبر الرّسول صلى الله عليه وسلم رفع نحو شبر فعن جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر » .

وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر رضي الله عنهم قال: « قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمّه اكشفي لي عن قبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور ، لا مشرفةً ولا لاطئةً مبطوحةً ببطحاء العرصة الحمراء » .

وعن إبراهيم النّخعيّ رحمه الله أنّه قال: أخبرني من رأى قبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنّها مسنّمة .

وروي أيضًا أنّ عبد اللّه بن عبّاس رضي الله عنهما لمّا مات بالطّائف ، صلّى عليه محمّد بن الحنفيّة رحمه الله ، وكبّر عليه أربعًا ، وجعل له لحدًا ، وأدخله القبر من قبل القبلة ، وجعل قبره مسنّمًا ، وضرب عليه فسطاطًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت