وفي العاريّة والقرض: يجوز الرّجوع بطلب ردّ الشّيء المستعار واسترداد بدل القرض في الحال بعد القبض . وهذا عند غير المالكيّة ، بل قال الجمهور: إنّ المقرض إذا أجّل القرض لا يلزمه التّأجيل ، لأنّه لو لزم فيه الأجل لم يبق تبرّعًا .
ويجوز الرّجوع في الهبة قبل القبض ، فإذا تمّ القبض فلا رجوع عند الشّافعيّة والحنابلة ، إلا فيما وهب الوالد لولده ، وعند الحنفيّة: يجوز الرّجوع إن كانت لأجنبيّ .
وفي كلّ ذلك تفصيل ينظر في أبوابه . وفي ( تبرّع ) .
أمّا غير ذلك من التّبرّعات كالصّدقة والإنفاق وما شابه ذلك ، فإن كان قد مضى فلا رجوع فيه ، ما دام ذلك قد تمّ بنيّة التّبرّع . يقول ابن عابدين: لا رجوع في الصّدقة لأنّ المقصود فيها الثّواب لا العوض . ويقول ابن قدامة: لا يجوز للمتصدّق الرّجوع في صدقته في قولهم جميعا ، لأنّ عمر رضي الله عنه قال في حديثه: من وهب هبة على وجه صدقة فإنّه لا يرجع فيها . ومثل ذلك الإنفاق إذا كان بقصد التّبرّع فلا رجوع فيه .
يقول ابن عابدين: إذا أنفق الوصيّ من مال نفسه على الصّبيّ ، وللصّبيّ مال غائب ، فهو متطوّع في الإنفاق استحسانًا ، إلا أن يشهد أنّه قرض ، أو أنّه يرجع به عليه .
ويقول ابن القيّم: المقاصد تغيّر أحكام التّصرّفات ، فالنّيّة لها تأثير في التّصرّفات ، ومن ذلك أنّه لو قضى عن غيره دينًا ، أو أنفق عليه نفقة واجبة أو نحو ذلك - ينوي التّبرّع والهبة - لم يملك الرّجوع بالبدل ، وإن لم ينو فله الرّجوع . على أنّ في ذلك تفصيلًا وخلافًا بين المذاهب في بعض الفروع ، ومن ذلك مثلا: أنّ الشّافعيّة يجيزون للأب ولسائر الأصول الرّجوع في الصّدقة المتطوّع بها على الولد ، أمّا الواجبة فلا رجوع فيها .
ولا يجيزون للأب الرّجوع في الإبراء لولده عن دينه . بينما يجيز الحنابلة رجوع الأب فيما أبرأ ابنه منه من الدّيون . وينظر تفصيل ذلك في ( تبرّع ، صدقة ، إبراء ، هبة ، نفقة ) .
23 -أمّا ما شرع فيه من الصّدقة . فأخرج بعضه ، فلا يلزمه الصّدقة بباقيه .
يقول ابن قدامة: انعقد الإجماع على أنّ الإنسان لو نوى الصّدقة بمال مقدّر ، وشرع في الصّدقة به ، فأخرج بعضه لم تلزمه الصّدقة بباقيه ، وهو نظير الاعتكاف ، لأنّه غير مقدّر بالشّرع فأشبه الصّدقة ، غير أنّ ابن رجب ذكر خلافا في ذلك .
والحطّاب عدّ الأشياء الّتي تلزم بالشّروع ، وهي سبع: الصّلاة والصّوم والاعتكاف والحجّ والعمرة والائتمام والطّواف . ثمّ ذكر ما لا يلزم بالشّروع ، وأنّه لا يجب القضاء بقطعه ، وهو: الصّدقة والقراءة والأذكار والوقف والسّفر للجهاد ، وغير ذلك من القربات .
وينظر تفصيل ذلك في ( تبرّع ، صدقة ) .
ب - نيّة التّطوّع:
24 -التّطوّع - إن كان عبادة - فلا بدّ فيه من النّيّة بالإجماع ، لقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّما الأعمال بالنّيّات » وهي مقصودة بها تمييز العبادات عن العادات ، وتمييز بعض العبادات عن بعض. فالغسل قد يكون تبرّدا وعبادة ، والإمساك عن المفطرات قد يكون حميّة أو تداويا ، ودفع المال يكون صدقة شرعيّة وصلة متعارفة . . وهكذا ، وعلى ذلك فالنّيّة شرط في العبادات باتّفاق ، إلّا أنّ الفقهاء يختلفون في النّيّة في تطوّع العبادات بالنّسبة للتّعيين أو الإطلاق . 25 - والتّطوّع في العبادات ، منه ما هو مطلق كالتّهجّد والصّوم ، ومنه ما هو مقيّد كصلاة الكسوف والسّنن الرّواتب مع الفرائض ، وكصيام عرفة وعاشوراء .
أمّا التّطوّع المطلق ، فيصحّ عند جميع الفقهاء أداؤه دون تعيينه بالنّيّة ، وتكفي نيّة مطلق الصّلاة أو مطلق الصّوم .
أمّا التّطوّع المعيّن كالرّواتب والوتر والتّراويح ، وصلاة الكسوف والاستسقاء ، وصيام يوم عاشوراء ، فإنّه يشترط فيه تعيينه بالنّيّة ، وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض مشايخ الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة حدّدوا المعيّن عندهم بأنّه: الوتر والعيدان وصلاة الكسوف والاستسقاء ورغيبة الفجر ، أمّا غير ذلك فهو من المطلق عندهم .
والصّحيح المعتمد عند الحنفيّة أنّ التّطوّع المعيّن أو المقيّد يصحّ دون تعيينه ، وأنّه يكفي فيه مطلق النّيّة كالتّطوّع المطلق ، وهو ما عليه أكثر مشايخ الحنفيّة .
26 -أمّا غير العبادات من التّطوّعات ، فالأصل أنّه لا مدخل للنّيّة فيها ، إلا أنّ نيّة القربة فيها - امتثالا لأوامر الشّرع الّتي تحثّ على المعروف - مطلوبة لاستحقاق الثّواب ، إذ أنّها لا تتمحّض قربة إلّا بهذه النّيّة .
يقول الشّاطبيّ: المقاصد معتبرة في التّصرّفات من العبادات والعادات . إلى أن قال: وأمّا الأعمال العاديّة - وإن لم تفتقر في الخروج عن عهدتها إلى نيّة - فلا تكون عبادات ولا معتبرات في الثّواب إلا مع قصد الامتثال ، وفي الأشباه لابن نجيم: لا يتوقّف الوقف ولا الهبة ولا الوصيّة على النّيّة ، فالوصيّة إن قصد التّقرّب بها فله الثّواب ، وإلّا فهي صحيحة فقط ، وكذلك الوقف إن نوى القربة فله الثّواب وإلا فلا ، وعلى هذا سائر القرب لا بدّ فيها من النّيّة ، بمعنى توقّف حصول الثّواب على قصد التّقرّب بها إلى اللّه تعالى .
وفي الشّرح الصّغير: الهبة من التّبرّعات المندوبة كالصّدقة ، وهذا إن صحّ القصد ، وإن استحضر أنّ ذلك ممّا رغّب فيه الشّرع فإنّه يثاب . وفي المنثور في القواعد للزّركشيّ: عيادة المريض واتّباع الجنازة وردّ السّلام قربة ، لا يستحقّ الثّواب عليها إلا بالنّيّة .
ج - النّيابة في التّطوّع: