فهرس الكتاب

الصفحة 639 من 2053

27 -التّطوّع إن كان من العبادات البدنيّة كالصّلاة والصّوم ، فلا تجوز فيه النّيابة ، لأنّه لا تجوز النّيابة في فرضه في الجملة ، فلا تجوز في نفله . وإن كان مركّبا منهما كالحجّ ، فعند الحنفيّة والحنابلة تصحّ النّيابة فيه ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وأحد قولين معتمدين عند المالكيّة . أمّا غير ذلك من العبادات الماليّة والتّطوّعات بأنواع البرّ والمعروف ، كالصّدقة والهدي والعتق والوقف والوصيّة والهبة والإبراء وغيرها فإنّه تجوز النّيابة فيها . كما أنّه يجوز عند الحنفيّة والحنابلة أن يتطوّع الإنسان بجعل ثواب عمله من صلاة وصيام وحجّ وصدقة وعتق وطواف وعمرة وقراءة وغير ذلك لغيره ، من حيّ أو ميّت . بدليل أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « ضحّى بكبشين أملحين ، أحدهما عنه ، والآخر عن أمّته » . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص ، لمّا سأله عن أبيه: لو كان مسلمًا فأعتقتم عنه أو تصدّقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك » . قال ابن قدامة: وهذا عامّ في حجّ التّطوّع وغيره ، ولأنّه عمل برّ وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصّدقة والصّيام والحجّ الواجب . « عن أنس رضي الله عنه قال: يا رسول اللّه ، إنّا نتصدّق عن موتانا ، ونحجّ عنهم ، وندعو لهم ، فهل يصل ذلك لهم ؟ قال: نعم ، إنّه ليصل إليهم ، وإنّهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطّبق إذا أهدي إليه » .

وقال صلى الله عليه وسلم: « إنّ من البرّ بعد الموت أن تصلّي لأبويك مع صلاتك ، وأن تصوم لهما مع صومك » وعند المالكيّة والشّافعيّة يجوز فيما عدا الصّلاة والصّيام .

وينظر تفصيل ذلك في: ( نيابة - وكالة - نفل - صدقة - صلاة - وصوم ) .

د - الأجرة على التّطوّع:

28 -الأصل أنّ كلّ طاعة يختصّ بها المسلم لا يجوز أخذ الأجرة عليها ، كالإمامة والأذان والحجّ والجهاد وتعليم القرآن . لما روى عثمان بن أبي العاص قال: « إنّ آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أتَّخِذَ مؤذّنًا لا يأخذُ على أذانه أجرًا » ولأنّ القربة متى حصلت وقعت عن العامل ، ولهذا تعتبر أهليّته ، فلا يجوز أخذ الأجر عن غيره كما في الصّوم والصّلاة . هذا مذهب الحنفيّة ، وهو رواية عند الحنابلة .

ويصحّ مع الكراهة عند المالكيّة . جاء في الشّرح الصّغير: تكره إجارة الإنسان نفسه في عمل للّه تعالى ، حجّا أو غيره ، كقراءة وإمامة وتعليم علم ، وصحّته مع الكراهة .

كما تكره الإجارة على الأذان ، قال مالك: لأن يؤاجر الرّجل نفسه في عمل اللّبن وقطع الحطب وسوق الإبل أحبّ إليّ من أن يعمل عملا للّه بأجرة .

وقال الشّافعيّة ، كما في نهاية المحتاج: لا تصحّ إجارة مسلم لجهاد ولا لعبادة يجب لها نيّة ، وألحقوا بذلك الإمامة ولو لنفل ، لأنّه حصل لنفسه . أمّا ما لا تجب له نيّة كالأذان فيصحّ الاستئجار عليه ، واستثني ممّا فيه نيّة: الحجّ والعمرة ، فيجوز الاستئجار لهما أو لأحدهما عن عاجز أو ميّت ، وتقع صلاة ركعتي الطّواف تبعا لهما ، وتجوز الإجارة عن تفرقة زكاة وكفّارة وأضحيّة وهدي وذبح وصوم عن ميّت وسائر ما يقبل النّيابة وإن توقّف على النّيّة ، لما فيها من شائبة المال . وتصحّ الإجارة لكلّ ما لا تجب له نيّة .

وتصحّ لتجهيز ميّت ودفنه وتعليم قرآن ولقراءة القرآن عند القبر أو مع الدّعاء .

وفي الاختيارات الفقهيّة لابن تيميّة: لا يجوز للإنسان أن يقبل هديّة من شخص ليشفع له عند ذي أمر ، أو أن يرفع عنه مظلمة ، أو يوصل إليه حقّه أو يولّيه ولاية يستحقّها ، أو يستخدمه في الجند المقاتلة وهو مستحقّ لذلك ، وإذا امتنعت الهديّة امتنعت الأجرة من باب أولى . والأصل في ذلك: أنّ من أخذ أجرا على عمل تطوّع - ممّا يجوز عند الفقهاء - فإنّه يعتبر أجيرًا ، وليس متطوّعا بالقربات ، لأنّ القرب والطّاعات إذا وقعت بأجرة لم تكن قربة ولا عبادة ، لأنّه لا يجوز التّشريك في العبادة ، لكن إذا كان الرّزق من بيت المال أو من وقف فإنّه يعتبر نفقة في المعنى ، ولا يعتبر أجرًا .

جاء في الاختيارات الفقهيّة: الأعمال الّتي يختصّ فاعلها أن يكون من أهل القربة ، هل يجوز إيقاعها على غير وجه القربة ؟ فمن قال: لا يجوز ذلك ، لم يجز الإجارة عليها ، لأنّها بالعوض تقع غير قربة و « إنّما الأعمال بالنّيّات » واللّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ، ومن جوّز الإجارة جوّز إيقاعها على غير وجه القربة ، وقال: تجوز الإجارة عليها لا فيها من نفع المستأجر ، وأمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة ، بل رزق للإعانة على الطّاعة ، فمن عمل منهم للّه أثيب . وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ والموصى به كذلك ، والمنذور كذلك ، ليس كالأجرة .

ويقول القرافيّ: باب الأرزاق أدخل في باب الإحسان وأبعد عن باب المعاوضة ، وباب الإجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في باب المكايسة ، ثمّ يقول: الأرزاق مجمع على جوازها ، لأنّها إحسان ومعروف وإعانة لا إجارة .

انقلاب التّطوّع إلى واجب:

29 -ينقلب التّطوّع إلى واجب لأسباب متعدّدة منها:

أ - الشّروع:

30 -التّطوّع بالحجّ عند جميع الفقهاء يصير واجبًا بالشّروع فيه ، بحيث إذا فسد وجب قضاؤه . ومثل ذلك: الصّلاة والصّيام عند الحنفيّة والمالكيّة .

ب - التّطوّع بالحجّ ممّن لم يحجّ حجّة الإسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت