أمّا القبض فلا بدّ منه لثبوت الملك ، وذلك عند الحنفيّة والشّافعيّة ، لأنّ الملك لو ثبت بدونه للزم المتبرّع شيء لم يلتزمه ، وهو التّسلّم ، فلا تملك بالعقد بل بالقبض ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّها قالت: « إنّ أبا بكر الصّدّيق كان نحلها جادّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة . فلمّا حضرته الوفاة قال: واللّه ، يا بنيّة ما من النّاس أحد أحبّ إليّ غنى بعدي منك ، ولا أعزّ عليّ فقرًا بعدي منك ، وإنّي كنت نحلتك جادّ عشرين وسقًا ، فلو كنت جدّدتيه واحتزتيه كان لك ، وإنّما هو اليوم مال وارث » .
وما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة هو رأي بعض الحنابلة . قال المجد بن تيميّة في شرح الهداية: الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض ، وكذا صرّح ابن عقيل الحنبليّ: أنّ القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها ، وكلام الخرقيّ يدلّ عليه . والرّأي الآخر للحنابلة: أنّ الهبة تملك بالعقد ، فيصحّ التّصرّف من الموهوب له فيها قبل القبض ، كذا في المنتهى وشرحه ، وهو الّذي قدّمه في الإنصاف . وعلى رأي الحنفيّة والشّافعيّة ، ومن رأى رأيهم من الحنابلة: يجوز الرّجوع فيها قبل القبض ، لأنّ عقد الهبة لم يتمّ . ولكنّه عند من يرى ذلك من الحنابلة يكون مع الكراهة ، خروجًا من خلاف من قال: إنّ الهبة تلزم بالعقد . وعند المالكيّة: تملك الهبة بالقبول على المشهور ، وللمتّهب طلبها من الواهب إن امتنع ولو عند حاكم ، ليجبره على تمكين الوهوب له منها . لكن قال ابن عبد السّلام: القبول والحيازة معتبران في الهبة ، إلا أنّ القبول ركن والحيازة شرط . أي في تمامها ، فإن عدم لم تلزم ، وإن كانت صحيحة . على أنّ الهبة لو تمّت بالقبض ، فإنّه يجوز الرّجوع فيها عند الحنفيّة إن كانت لأجنبيّ ، أي غير ذي رحم محرم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
« الرّجل أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أمّا عند الجمهور فلا يجوز الرّجوع فيها بعد القبض ، إلّا الوالد فيما يهب لولده فإنّه يجوز له الرّجوع لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « العائد في هبته كالعائد في قيئه » . وينظر تفصيل ذلك في ( هبة ) .
ج - الوصيّة لمعيّن:
45 -من أركان الوصيّة الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له المعيّن ، لكنّ القبول لا يعتبر إلّا بعد موت الموصي ، ولا يفيد القبول قبل موته ، لأنّ الوصيّة عقد غير لازم ، والموصي يملك الرّجوع في وصيّته ما دام حيًّا ، وبالقبول يملك الموصى له الموصى به ، ولا يتوقّف الملك على القبض ، وهذا عند الحنفيّة - غير زفر - والمالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة . أمّا عند زفر فركن الوصيّة هو الإيجاب فقط من الموصي ، ويثبت الملك للموصى له من غير قبول كالإرث . وينظر تفصيل ذلك في ( وصيّة ) .
د - الوقف على معيّن:
46 -الإيجاب ركن من أركان الوقف ، سواء أكان على معيّن أم لم يكن . أمّا القبول: فإن كان الوقف على معيّن فإنّه يشترط قبوله ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
وعند الحنابلة: لا يفتقر الوقوف على معيّن إلى القبول ، لأنّه إزالة ملك يمنع البيع ، فلم يعتبر فيه القبول كالعتق ، أمّا القبض فليس بشرط عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ، وعند المالكيّة ومحمّد: القبض شرط . وينظر تفصيل ذلك في ( وقف ) .