واحتجّ الشّافعيّة بحديثي عائشة رضي الله عنها السّابقين ، وهما صحيحان رواهما البخاريّ ومسلم ، وقالوا: إنّ الطّيب معنى يراد للاستدامة فلم يمنع الإحرام من استدامته كالنّكاح وسواء فيما ذكر الطّيب الّذي يبقى له جرم بعد الإحرام والّذي لا يبقى ، وسواء الرّجل والمرأة الشّابّة والعجوز . وذهب الحنفيّة - في الأصحّ - إلى عدم جواز التّطيّب للإحرام في الثّوب ، ولا يجوز أن يلبس ثوب إحرام مطيّبا ، لأنّه بذلك يكون مستعملا للطّيب في إحرامه باستعمال الثّوب ، وهو محظور على المحرم ، والفرق: أنّ الطّيب في الثّوب منفصل ، أمّا في البدن فهو تابع له ، وسنّيّة التّطيّب تحصل بتطييب البدن، فأغنى عن تجويزه في الثّوب. وذهب المالكيّة: إلى أنّه إن تطيّب قبل الإحرام يجب عليه إزالته عند الإحرام ، سواء كان ذلك في بدنه أو ثوبه ، فإن بقي في البدن أو الثّوب بعد الإحرام شيء من جرم الطّيب - الّذي تطيّب به قبل الإحرام - وجبت عليه الفدية ، وأمّا إذا كان في الثّوب رائحته ، فلا يجب نزع الثّوب لكن يكره استدامته ولا فدية .
وأمّا اللّون: ففيه قولان عند المالكيّة ، وهذا كلّه في اليسير ، وأمّا الأثر الكثير ففيه الفدية ، واستدلّ المالكيّة بحديث يعلى بن أميّة رضي الله عنه قال: « أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل متضمّخ بطيب وعليه جبّة فقال: يا رسول اللّه ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة ، بعدما تضمّخ بطيب ؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أمّا الطّيب الّذي بك فاغسله ثلاث مرّات ، وأمّا الجبّة فانزعها ، ثمّ اصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك » . فاستدلّوا بهذا الحديث على حظر الطّيب على المحرم في البدن والثّوب .
ويقول ابن قدامة: إن طيّب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه ، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه ، فإن لبسه افتدى ، لأنّ الإحرام يمنع ابتداء الطّيب ولبس المطيّب دون الاستدامة . وكذلك إن نقل الطّيب من موضع بدنه إلى موضع آخر افتدى ، لأنّه تطيّب في إحرامه ، وكذا إن تعمّد مسّه أو نحّاه من موضعه ثمّ ردّه إليه ، فأمّا إن عرق الطّيب أو ذاب بالشّمس فسال من موضعه إلى موضع آخر ، فلا شيء عليه ، لأنّه ليس من فعله .
قالت عائشة رضي الله عنها: « كنّا نخرج مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكّة فنضمّد جباهنا بالمسك المطيّب عند الإحرام ، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها ، فيراها النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا » .
12 -وأمّا التّطيّب بعد الإحرام ، فإنّه يحظر على المحرم استعماله في ثيابه وبدنه ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ولا تلبسوا من الثّياب ما مسّه وَرْس أو زعفران » ولما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال في شأن المحرم الّذي وَقَصَتْه راحلته لا تمسّوه بطيب » ، وفي لفظ « لا تحنّطوه » ووجهه: أنّه لمّا منع الميّت من الطّيب لإحرامه ، فالحيّ أولى . ومتى تطيّب وجبت عليه الفدية ، لأنّه استعمل ما حرّمه الإحرام ولو للتّداوي ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « المحرم: الأشعث الأغبر » . والطّيب ينافي الشّعث . ويجب الفداء عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، لأيّ تطيّب ممّا هو محظور ، دون تقييد بأن يطيّب عضوًا كاملًا أو مقدارًا من الثّوب معيّنًا .
وإنّما وجبت الفدية قياسًا على الحلق ، لأنّه منصوص عليه في القرآن في قوله تعالى:
{ وَلا تَحْلِقُوا رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَديُ مَحِلَّه ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًَا أَو بِه أَذَىً مِنْ رَأْسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ } . ولما ورد عن كعب بن عجرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له ، حين رأى هوامّ رأسه: أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ قال: قلت: نعم قال: فاحلق ، وصم ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو انسك نسيكة » .
وفرّق الحنفيّة بين تطيّب وتطيّب ، فقالوا: تجب شاة إن طيّب المحرم عضوا كاملا ، مثل الرّأس واليد والسّاق ، أو ما بلغ عضوا كاملا لو جمع . والبدن كلّه كعضو واحد إن اتّحد المجلس ، وإن تفرّق المجلس فلكلّ طيب كفّارة إن شمل عضوا واحدا أو أكثر ، سواء كفّر للأوّل أم لا ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمّد: عليه كفّارة واحدة ، ولو فدى ولم يزل الطّيب لزمه فدية أخرى، لأنّ ابتداءه كان محظورًا ، فيكون لبقائه حكم ابتدائه. ووجه وجوب الشّاة: أنّ الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق ، وذلك في العضو الكامل فيترتّب كمال الموجب . وإن طيّب أقلّ من عضو: فعليه أن يتصدّق بنصف صاع من برّ ، لقصور الجناية إلا أن يكون الطّيب كثيرا ، فعليه دم . وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف .
وقال محمّد: يُقَوَّم ما يجب فيه الدّم فيتصدّق بذلك القدر ، حتّى لو طيّب ربع عضو فعليه من الصّدقة قدر ربع شاة ، وهكذا ، لأنّ تطييب عضو كامل ارتفاق كامل ، فكان جناية كاملة ، فيوجب كفّارة كاملة ، وتطييب ما دون العضو الكامل ارتفاق قاصر ، فيوجب كفّارة قاصرة ، إذ الحكم يثبت على قدر السّبب ، إلّا أن يكون الطّيب كثيرا فعليه دم ، ولم يشترط الحنفيّة استمرار الطّيب لوجوب الجزاء ، بل يجب بمجرّد التّطيّب .
وأمّا تطييب الثّوب فتجب فيه الفدية عند الحنفيّة بشرطين:
أوّلهما: أن يكون كثيرا ، وهو ما يصلح أن يغطّي مساحة تزيد على شبر في شبر .
والثّاني: أن يستمرّ نهارا ، أو ليلة . فإن اختلّ أحد هذين الشّرطين وجبت الصّدقة ، وإن اختلّ الشّرطان وجب التّصدّق بقبضة من قمح .