فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 2053

والأصل في حظر تطييب الثّوب ولبسه بعد الإحرام قوله صلى الله عليه وسلم: « لا تلبسوا شيئا من الثّياب مسّه الزّعفران ولا الورس » .

والمحرم - ذكرا كان أو غيره - ممنوع من استعمال الطّيب في إزاره أو ردائه وجميع ثيابه ، وفراشه ونعله ، حتّى لو علق بنعله طيب وجب عليه أن يبادر لنزعه ، ولا يضع عليه ثوبا مسّه الورس أو الزّعفران أو نحوهما من صبغ له طيب .

واستعمال الطّيب هو: أن يلصق الطّيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطّيب ، ممّا يقصد منه ريحه غالبا ولو مع غيره ، كمسك أو عود ، وكافور ، وورس ، وزعفران ، وريحان ، وورد ، وياسمين ، ونرجس ، وآس ، وسوسن ، ومنثور ، ونمّام ، وغير ما ذكر ، ممّا يتطيّب به ، ويتّخذ منه الطّيب ، أو يظهر فيه هذا الغرض .

13 -ويكره للمحرم شمّ الطّيب ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وقال المالكيّة: يكره شمّ الطّيب مذكّره ومؤنّثه دون مسّ . وأمّا الحنابلة: فقالوا: يحرم تعمّد شمّ الطّيب كالمسك والكافور ونحوهما ، ممّا يتطيّب بشمّه كالورد والياسمين . فإن فعل المحرم ذلك وجب الفداء عليه ، لأنّ الفدية تجب فيما يتّخذ منه ، فكذلك في أصله ، وعن الإمام أحمد رواية أخرى في الورد: لا فدية عليه في شمّه ، لأنّه زهر شمّه على جهته ، أشبه زهر سائر الشّجر ، والأولى تحريمه ، لأنّه ينبت للطّيب ويتّخذ منه ، أشبه الزّعفران ، والعنبر .

ما يباح من الطّيب وما لا يباح بالنّسبة للمحرم:

14 -قال ابن قدامة: النّبات الّذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب:

أحدها: ما لا ينبت للطّيب ولا يتّخذ منه كنبات الصّحراء من الشّيح والقيصوم ، والخزامى ، والفواكه كلّها ، من الأترجّ ، والتّفّاح والسّفرجل ، وغيره ، وما ينبته الآدميّون لغير قصد الطّيب ، كالحنّاء ، والعصفر ، وهذان يباح شمّهما ولا فدية فيهما بلا خلاف ، غير أنّه روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنّه كان يكره للمحرم أن يشمّ شيئا من نبات الأرض ، من الشّيح والقيصوم وغيرهما ، وقد « روي أنّ أزواج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كنّ يحرمن في المعصفرات » .

الثّاني: ما ينبته الآدميّون للطّيب ولا يتّخذ منه طيب ، كالرّيحان الفارسيّ والنّرجس ، والبرم ، وفيه وجهان:

أحدهما: يباح بغير فدية ، قاله عثمان بن عفّان ، وابن عبّاس رضي الله عنهم ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . والآخر: يحرم شمّه ، فإن فعل فعليه الفدية ، وهو قول جابر ، وابن عمر ، والشّافعيّ وأبي ثور ، لأنّه يتّخذ للطّيب ، فأشبه الورد .

الثّالث: ما ينبت للطّيب ، ويتّخذ منه طيب ، كالورد ، والبنفسج ، والخيريّ وهذا إذا استعمله المحرم وشمّه ففيه الفدية ، لأنّ الفدية تجب فيما يتّخذ منه ، فكذلك في أصله .

وإن مسّ المحرم من الطّيب ما يعلق ببدنه ، كالغالية وماء الورد ، والمسك المسحوق الّذي يعلق بأصابعه ، فعليه الفدية ، لأنّه مستعمل للطّيب . وإن مسّ ما لا يعلق بيده ، كالمسك غير المسحوق ، وقطع الكافور ، والعنبر ، فلا فدية ، لأنّه غير مستعمل للطّيب .

فإن شمّه فعليه الفدية لأنّه يستعمل هكذا ، وإن شمّ العود - أي خشب العود - فلا فدية عليه ، لأنّه لا يتطيّب به

تطيّب المحرم ناسيًا أو جاهلًا:

15 -إن تطيّب المحرم ناسيًا فلا فدية عليه عند الشّافعيّة والحنابلة ، في المشهور عندهم ، وهو مذهب عطاء ، والثّوريّ ، وإسحاق ، وابن المنذر ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .

وإن أخّر ذلك عن زمن الإمكان فعليه الفدية عند الحنابلة ، واستدلّ القائلون بعدم وجوب الفدية على النّاسي أيضًا: بخبر يعلى بن أميّة رضي الله عنه « أنّ رجلا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة ، وعليه جبّة ، وعليه أثر خلوق ، أو قال: أثر صفرة . فقال: يا رسول اللّه كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ قال: اخلع عنك الجبّة ، واغسل أثر الخلوق عنك . أو قال: الصّفرة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك » فدلّ ذلك على أنّه عذره لجهله ، والنّاسي في معناه ، وله غسل الطّيب بيده بلا حائل ، لعموم أمره صلى الله عليه وسلم بغسله . وأمّا الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الرّواية الثّانية عن أحمد فقالوا: يجب دم على المحرم البالغ ولو ناسيًا إن طيّب عضوًا كاملًا ، أو ما يبلغ عضوًا لو جمع .

تطيّب المبتوتة:

16 -يحرم على المطلّقة ثلاثًا التّطيّب لوجوب الإحداد عليها ، لأنّها معتدّة بائن من نكاح صحيح ، وهي كالمتوفّى عنها زوجها ، وهذا عند الحنفيّة ، وهو قول للشّافعيّة ، والحنابلة. أمّا المالكيّة فقالوا: إنّ التّطيّب لا يحرم إلا على المتوفّى عنها زوجها ، ومن في حكمها وهي: زوجة المفقود المحكوم بفقده . لقوله تعالى: { وَالّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًَا }

والقول الآخر للشّافعيّة والحنابلة: لا يحرم التّطيّب ، لأنّ الإحداد لا يجب على المطلّقة ثلاثًا ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا » وهذه عدّة الوفاة ، فدلّ على أنّ الإحداد يجب فيها فقط . والمطلّقة بائنًا معتدّة عن غير وفاة ، فلم يجب عليها الإحداد كالرّجعيّة ، ولأنّ المطلّقة بائنًا فارقها زوجها باختيار نفسه وقطع نكاحها ، فلا معنى لتكليفها الحزن عليه ، فيجوز لها أن تتطيّب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت