ولم يفرّق الشّافعيّة والحنابلة في هذا الشّرط بين المكّيّ والآفاقيّ .
وذهب المالكيّة: إلى التّفريق بينهما ، وخصّوا شرط التّعجيل بالمتعجّل من أهل مكّة ، وأمّا إن كان من غيرها فلا يشترط خروجه من منى قبل الغروب من اليوم الثّاني ، وإنّما يشترط نيّة الخروج قبل الغروب من اليوم الثّاني .
ولم يشترط الحنفيّة ذلك ، وقالوا: له أن ينفر بعد الغروب مع الكراهة ، ما لم يطلع فجر اليوم الثّالث ، وذلك لأنّه لم يدخل اليوم الآخر ، فجاز له النّفر ، كما قبل الغروب .
واختلف الفقهاء في أهل مكّة هل ينفرون النّفر الأوّل ؟ فقيل: ليس لهم ذلك . فقد ثبت عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: من شاء من النّاس كلّهم أن ينفروا في النّفر الأوّل ، إلّا آل خزيمة ، فلا ينفرون إلّا في النّفر الآخر . وكان أحمد بن حنبل يقول: لا يعجبني لمن نفر النّفر الأوّل أن يقيم بمكّة ، وقال: أهل مكّة أخفّ ، وجعل أحمد معنى قول عمر"إلا آل خزيمة"أي: أنّهم أهل الحرم ، وحمله في المغني على الاستحباب ، محافظة على العموم . وكان مالك يقول في أهل مكّة من كان له عذر فله أن يتعجّل في يومين ، فإن أراد التّخفيف عن نفسه ممّا هو فيه من أمر الحجّ فلا ، فرأى أنّ التّعجيل لمن بعد قطره .
وقال أكثر أهل العلم: الآية على العموم ، والرّخصة لجميع النّاس ، أهل مكّة وغيرهم ، سواء أراد الخارج من منى المقام بمكّة ، أو الشّخوص إلى بلده .
11 -واختلف الفقهاء في الأفضليّة بين التّعجيل والتّأخير ، فذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) : إلى أنّ تأخير النّفر إلى الثّالث أفضل ، للاقتداء بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم . وذهب المالكيّة: إلى أنّه لا تفضيل بين التّعجيل والتّأخير ، بل هما مستويان . ونصّ الفقهاء على كراهة التّعجيل للإمام ، لأجل من يتأخّر .
وأمّا ثمرة التّعجيل فهي سقوط رمي اليوم الثّالث ، ومبيت ليلته عنه .
ثانيًا: تعجيل الفعل قبل وجوبه
أ - التّعجيل بالصّلاة قبل الوقت:
12 -أجمع العلماء: على أنّ لكلّ صلاة من الصّلوات الخمس وقتًا محدّدًا ، لا يجوز إخراجها عنه ، لقوله تعالى: { إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ على المُؤْمِنينَ كِتَابًَا مَوْقُوتًَا } أي: محتّمة مؤقّتة: ولحديث المواقيت المشهور .
وقد رخّص الشّارع في تعجيل الصّلاة قبل وقتها في حالات ، منها:
1 -جمع الحاجّ الظّهر والعصر جمع تقديم في عرفة .
ب - جواز الجمع للمسافر بين العصرين"الظّهر والعصر"والعشاءين"المغرب والعشاء"تقديمًا عند جمهور العلماء ، خلافًا للحنفيّة .
2 -جواز الجمع للمريض ، جمع تقديم عند المالكيّة والحنابلة .
3 -جواز الجمع بين العشاءين تقديمًا ، لأجل المطر والثّلج والبرد عند جمهور العلماء
"المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة"وزاد الشّافعيّة جوازه بين العصرين أيضًا .
4 -جواز الجمع بين الصّلاتين ، إذا اجتمع الطّين مع الظّلمة ، عند المالكيّة ، وجوّزه الحنابلة بمجرّد الوحل ، في إحدى الرّوايتين ، وصحّحها ابن قدامة .
5 -جواز الجمع لأجل الخوف عند الحنابلة .
6 -جواز الجمع لأجل الرّيح الشّديدة في اللّيلة المظلمة الباردة ، عند الحنابلة ، في أحد الوجهين ، وصحّحه الآمديّ .
ب - التّعجيل بإخراج الزّكاة قبل الحول:
13 -ذهب جمهور الفقهاء: إلى جواز تعجيل إخراج الزّكاة قبل الحول في الجملة ، وذلك لأنّ « العبّاس رضي الله عنه سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ ، فرخّص له في ذلك » ، ولأنّه حقّ ماليّ جعل له أجل للرّفق ، فجاز تعجيله قبل أجله ، كالدّين . ولأنّه - كما قال الشّافعيّة - وجب بسببين ، وهما: النّصاب ، والحول: فجاز تقديمه على أحدهما ، كتقديم كفّارة اليمين على الحنث . ومنعه ابن المنذر ، وابن خزيمة من الشّافعيّة ، وأشهب من المالكيّة ، وقال: لا تجزئ قبل محلّه كالصّلاة ، ورواه عن مالك ، ورواه كذلك ابن وهب . قال ابن يونس: وهو الأقرب ، وغيره استحسان .
ونصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة: على أنّ تركه أفضل ، خروجًا من الخلاف .
واختلف الفقهاء في المدّة الّتي يجوز تعجيل الزّكاة فيها: فذهب الحنفيّة: إلى جواز تعجيل الزّكاة لسنين ، لوجود سبب الوجوب ، وهو: ملك النّصاب النّامي .
وقيّده الحنابلة بحولين فقط ، اقتصارًا على ما ورد . فقد روى عليّ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تعجّل من العبّاس رضي الله عنه صدقة سنتين » لقوله صلى الله عليه وسلم: « أمّا العبّاس فهي عليّ ومثلها معها » ولما روى أبو داود من « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تسلّف من العبّاس صدقة عامين » وهو وجه عند الشّافعيّة ، صحّحه الإسنويّ وغيره ، وعزوه للنّصّ . وذهب الشّافعيّة: إلى عدم جواز تعجيل الزّكاة لأكثر من عام ، وذلك: لأنّ زكاة غير العام الأوّل لم ينعقد حولها ، والتّعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز ، كالتّعجيل قبل كمال النّصاب في الزّكاة العينيّة .
أمّا المالكيّة: فلم يجيزوا تعجيل الزّكاة لأكثر من شهر قبل الحول على المعتمد ، وتكره عندهم بشهر . وفي المسألة تفصيلات تنظر في الزّكاة .
ج - تعجيل الكفّارات:
تعجّل كفّارة اليمين قبل الحنث:
14 -ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة -: إلى جواز تعجيل كفّارة اليمين قبل الحنث ، لما روى عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يا عبد الرّحمن ، إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك ، ثمّ ائت الّذي هو خير » .