وتدرك الجمعة عند الشّيخين من الحنفيّة بإدراك الإمام في التّشهّد أو في سجود السّهو ، وعلى هذا فلا يتصوّر التّلفيق عندهما لعدم الحاجة إليه ، وقال محمّد: إنّها تدرك بإدراك أكثر الرّكعة الثّانية مع الإمام .
وذكر صاحب مواهب الجليل من المالكيّة قولين عن ابن القاسم وأشهب فيمن زوحم عن السّجدة الأخيرة في الجمعة بحيث لم يتمكّن من الإتيان بها إلّا بعد سلام الإمام في أنّه يتمّها ظهرا أو جمعة . والتّفصيل في مصطلح ( جمعة ) .
التّلفيق في مسافة القصر لمن كان بعض سفره في البحر وبعضه في البرّ:
10 -يرى المالكيّة على القول الّذي لا يفرّق بين السّفر في البحر والسّفر في البرّ في اعتبار المسافة أنّه إذا سافر وكان بعض سفره في البرّ وبعضه في البحر فإنّه يلفّق أي: يضمّ مسافة أحدهما لمسافة الآخر مطلقا من غير تفصيل .
وجاء في الزّرقانيّ أنّه يلفّق بين مسافة البرّ ومسافة البحر إذا كان السّير في البحر بمجداف ، أو به وبالرّيح ، فإن كان يسير فيه بالرّيح فقط لم يقصر في مسافة البرّ المتقدّمة وهي دون قصر فلا تلفيق .
ولم يفرّق الشّافعيّة وكذا الحنابلة - على الصّحيح من المذهب عندهم - في مسافة القصر بين البرّ والبحر ، بل لو سار في البحر وقطع تلك المسافة في لحظة فإنّه يقصر .
وعند الحنفيّة لا يعتبر السّير في البرّ بالسّير في البحر ، ولا السّير في البحر بالسّير في البرّ ، وإنّما يعتبر في كلّ موضع منهما ما يليق بحاله ، والمختار للفتوى عندهم أن ينظر كم تسير السّفينة في ثلاثة أيّام ولياليها ، إذا كانت الرّياح مستوية معتدلة فيجعل ذلك هو المقدّر ، لأنّه أليق بحاله كما في الجبل . والتّفصيل في مصطلح: ( سفر ) .
التّلفيق في صوم الشّهرين في كفّارة الظّهار وما شابهها:
11 -المراد بالتّلفيق في صوم الكفّارة إتمام الشّهر الأوّل منهما من الشّهر الثّالث .
اتّفق الفقهاء على أنّ المكفّر بالصّوم في كفّارة الظّهار ، أو القتل ، أو الوطء عمدا في نهار رمضان إذا ابتدأ صوم الشّهرين باعتبار الأهلّة فإنّ ذلك يجزئه حتّى وإن كانا ناقصين . واتّفقوا أيضًا على الإجزاء فيما إذا كان أحدهما ناقصا والآخر كاملًا .
واتّفقوا أيضا على الإجزاء فيما لو صام ستّين يوما بغير اعتبار الأهلّة .
واتّفقوا أيضا على أنّه لو ابتدأ الصّيام في أثناء شهر ، ثمّ صام الشّهر الّذي يليه باعتبار الهلال ، ثمّ أكمل الشّهر الأوّل من الشّهر الثّالث تلفيقا وبلغ عدد الأيّام ستّين يوما فإنّه يجزئه . أمّا لو بلغ عدد الأيّام تسعة وخمسين يوما فإنّ ذلك يجزئه عند المالكيّة والحنابلة والصّاحبين والشّافعيّة في الصّحيح ، ولا يجزئه عند أبي حنيفة وعند الشّافعيّة في وجه شاذّ . والتّفصيل في مصطلح ( كفّارة ) .
التّلفيق بين شهادتين لإثبات الرّدّة:
12 -ذهب المالكيّة إلى جواز التّلفيق بين الشّهادتين في الأقوال المختلفة في اللّفظ المتّفقة في المعنى لإثبات الرّدّة ، كما لو شهد أحدهما عليه أنّه قال: لم يكلّم اللّه موسى تكليما ، وشهد آخر عليه أنّه قال: ما اتّخذ اللّه إبراهيم خليلا ، فإنّ القاضي يجمع بين هاتين الشّهادتين لإثبات الرّدّة . أمّا إذا كانت إحدى الشّهادتين على قول ، مثل أن يشهد عليه أنّه قال: في كلّ جنس نذير ، والأخرى على فعل كإلقاء مصحف في قاذورة ، أو كانتا على فعلين مختلفين كالإلقاء المذكور ، وشدّ الزّنّار فلا تلفيق .
هذا وفي قبول الشّهادة لإثبات الرّدّة خلاف بين الفقهاء في أنّها هل تثبت بها مطلقا أي: على وجه الإطلاق أو لا بدّ من التّفصيل ؟ وهل يتعرّض للمشهود عليه إذا أنكر ؟
وهذا بعد اتّفاقهم جميعا على أنّ الشّهادة بها لا يقبل فيها إلا العدول .
فذهب الحنفيّة كما جاء في الدّرّ المختار إلى أنّهم لو شهدوا على مسلم بالرّدّة وهو منكر لا يتعرّض له لا لتكذيب الشّهود والعدول بل لأنّ إنكاره توبة ورجوع يدرأ عنه القتل فقط دون غيره من أحكام الرّدّة ، كحبط عمل وبطلان وقف وبينونة زوجة وإلا أي: إذا لم ينكر فإنّه يقتل كارتداده بنفسه .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة على أحد القولين إلى أنّ الشّهادة بها لا تقبل بإطلاق ، بل لا بدّ من التّفصيل لاختلاف أهل السّنّة في أسباب الكفر فربّما وجب عند بعض دون آخرين . والقول المعتمد عند الشّافعيّة ، وهو أيضا مذهب الحنابلة هو أنّ الشّهادة بها تقبل بإطلاق من غير تفصيل ، حتّى إذا أنكر المشهود عليه لا ينفعه إنكاره بل لا بدّ له من التّوبة وإلا قتل ، لأنّها لخطرها لا يقدّم العدل على الشّهادة بها إلا بعد تحقّقها بأن يذكر موجبها وإن لم يقل عالما مختارًا لاختلاف المذاهب في الكفر وخطر أمر الرّدّة .
والتّفصيل في مصطلح ( ردّة ) .
التّلفيق بين المذاهب:
13 -المراد بالتّلفيق بين المذاهب أخذ صحّة الفعل من مذهبين معا بعد الحكم ببطلانه على كلّ واحد منهما بمفرده ، ومثاله: متوضّئ لمس امرأة أجنبيّة بلا حائل وخرج منه نجاسة كدم من غير السّبيلين ، فإنّ هذا الوضوء باطل باللّمس عند الشّافعيّة ، وباطل بخروج الدّم من غير السّبيلين عند الحنفيّة ، ولا ينتقض بخروج تلك النّجاسة من غير السّبيلين عند الشّافعيّة ، ولا ينتقض أيضا باللّمس عند الحنفيّة ، فإذا صلّى بهذا الوضوء ، فإنّ صحّة صلاته ملفّقة من المذهبين معا ، وقد جاء في الدّرّ المختار: أنّ الحكم الملفّق باطل بالإجماع ، وأنّ الرّجوع عن التّقليد بعد العمل باطل اتّفاقا ، وهو المختار في المذهب لأنّ التّقليد مع كونه جائزا فإنّ جوازه مشروط بعدم التّلفيق كما ذكر ابن عابدين في حاشيته .