وأمّا عند وجوده إذا خاف فوتها فإنّما تجوز به الصّلاة على جنازة أخرى إذا لم يكن بينهما فاصل . فإن نوى التّيمّم فقط من غير ملاحظة استباحة الصّلاة ، أو رفع الحدث القائم به ، لم تصحّ الصّلاة بهذا التّيمّم ، كما إذا نوى ما ليس بعبادة أصلا كدخول المسجد ، ومسّ المصحف ، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها ، كالأذان ، والإقامة ، أو نوى عبادة مقصودة تصحّ بدون طهارة كالتّيمّم لقراءة القرآن ، أو للسّلام ، أو ردّه من المحدث حدثا أصغر ، فإن تيمّم الجنب لقراءة القرآن صحّ له أن يصلّي به سائر الصّلوات ، وأمّا تعيين الحدث أو الجنابة فلا يشترط عندهم ، ويصحّ التّيمّم بإطلاق النّيّة ، ويصحّ أيضا بنيّة رفع الحدث ، لأنّ التّيمّم رافع له كالوضوء .
ويشترط عندهم لصحّة النّيّة: الإسلام ، والتّمييز ، والعلم بما ينويه ، ليعرف حقيقة المنويّ. وعند المالكيّة ينوي بالتّيمّم استباحة الصّلاة أو فرض التّيمّم ، ووجب عليه ، ملاحظة الحدث الأكبر إن كان عليه بأن ينوي استباحة الصّلاة من الحدث الأكبر ، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنّه عليه لم يجزه وأعاد تيمّمه ، هذا إذا لم ينو فرض التّيمّم ، أمّا إذا نوى فرض التّيمّم فيجزيه عن الأكبر والأصغر وإن لم يلاحظ ، ولا يصلّى فرض عند المالكيّة بتيمّم نواه لغيره . قال في المقدّمات: ولا صلاة بتيمّم نواه لغيرها .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ينوي استباحة الصّلاة ونحوها ممّا تفتقر استباحته إلى طهارة . كطواف ، وحمل مصحف ، وسجود تلاوة ، ولو تيمّم بنيّة الاستباحة ظانّا أنّ حدثه أصغر فبان أكبر أو عكسه صحّ ، لأنّ موجبهما واحد ، وإن تعمّد لم يصحّ في الأصحّ لتلاعبه .
فلو أجنب في سفره ونسي ، وكان يتيمّم وقتا ، ويتوضّأ وقتا ، أعاد صلاة الوضوء فقط . ولا تكفي عند الشّافعيّة نيّة رفع الحدث الأصغر ، أو الأكبر ، أو الطّهارة عن أحدهما ، لأنّ التّيمّم لا يرفعه لبطلانه بزوال مقتضيه ، « ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وقد تيمّم عن الجنابة من شدّة البرد: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب ؟ » .
قال الرّمليّ: وشمل كلامه ( النّوويّ ) ما لو كان مع التّيمّم غسل بعض الأعضاء ، وإن قال بعضهم: إنّه يرفعه حينئذ . ولو نوى فرض التّيمّم ، أو فرض الطّهر ، أو التّيمّم المفروض ، أو الطّهارة عن الحدث أو الجنابة لم يكف في الأصحّ لأنّ التّيمّم ليس مقصودا في نفسه ، وإنّما يؤتى به عن ضرورة ، فلا يجعل مقصودا ، بخلاف الوضوء .
والقول الثّاني عندهم: يكفي كالوضوء . ويجب قرن النّيّة بنقل الصّعيد الحاصل بالضّرب إلى الوجه ، لأنّه أوّل الأركان ، وكذا يجب استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصّحيح . فلو زالت النّيّة قبل المسح لم يكف ، لأنّ النّقل وإن كان ركنا فهو غير مقصود في نفسه . وينوي عند الحنابلة استباحة ما لا يباح إلّا بالتّيمّم ، ويجب تعيين النّيّة لما تيمّم له كصلاة ، أو طواف ، أو مسّ مصحف من حدث أصغر أو أكبر أو نجاسة على بدنه ، لأنّ التّيمّم لا يرفع الحدث وإنّما يبيح الصّلاة ، فلا بدّ من تعيين النّيّة تقوية لضعفه .
وصفة التّعيين: أن ينوي استباحة صلاة الظّهر مثلا من الجنابة إن كان جنبا ، أو من الحدث إن كان محدثا ، أو منهما إن كان جنبا محدثا ، وما أشبه ذلك .
وإن تيمّم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر ،لأنّهما طهارتان فلم تؤدّ إحداهما بنيّة الأخرى. ولا يصحّ التّيمّم بنيّة رفع حدث لأنّ التّيمّم لا يرفع الحدث عند الحنابلة كالمالكيّة والشّافعيّة ، لحديث أبي ذرّ: « فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك » .
نيّة التّيمّم لصلاة النّفل وغيره:
10 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من نوى بتيمّمه فرضا ونفلا صلّى به الفرض والنّفل ، وإن نوى فرضا ولم يعيّن فيأتي بأيّ فرض شاء ، وإن عيّن فرضا جاز له فعل فرض واحد غيره ، وإن نوى الفرض استباح مثله وما دونه من النّوافل ، وذلك لأنّ النّفل أخفّ ، ونيّة الفرض تتضمّنه . أمّا إذا نوى نفلا أو أطلق النّيّة كأن نوى استباحة الصّلاة بلا تعيين فرض أو نفل لم يصلّ إلا نفلا ، لأنّ الفرض أصل والنّفل تابع فلا يجعل المتبوع تابعا ، وكما إذا أحرم بالصّلاة مطلقا بغير تعيين فإنّ صلاته تنعقد نفلا .
والمالكيّة كالشّافعيّة والحنابلة إلا أنّهم صرّحوا بوجوب نيّة الحدث الأكبر إن كان عليه حال نيّة استباحة الصّلاة ، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنّ الحدث الأكبر عليه لم يجزه وأعاد أبدا . ويندب عند المالكيّة نيّة الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصّلاة ، أو استباحة ما منعه الحدث ، لكن لو نوى فرض التّيمّم فلا تندب نيّة الأصغر ولا الأكبر ، لأنّ نيّة الفرض تجزئ عن كلّ ذلك .
وإذا تيمّم لقراءة قرآن ونحو ذلك لا يجوز للمتيمّم أن يصلّي به . وذهب الحنفيّة إلى جواز صلاة الفرض والنّفل سواء نوى بتيمّمه الفرض أو النّفل ، لأنّ التّيمّم بدل مطلق عن الماء ، وهو رافع للحدث أيضا عندهم .
ب - مسح الوجه واليدين:
11 -اتّفق الفقهاء على أنّ من أركان التّيمّم مسح الوجه واليدين ، لقوله تعالى: { فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ وَأَيديكمْ منه } .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ مسح الوجه فرض ، ومسح اليدين فرض آخر .
لكن ذهب المالكيّة إلى أنّ الفرض الأوّل هو الضّربة الأولى ، والفرض الثّاني هو تعميم مسح الوجه واليدين .