وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ المطلوب في اليدين هو مسحهما إلى المرفقين على وجه الاستيعاب كالوضوء . لقيام التّيمّم مقام الوضوء فيحمل التّيمّم على الوضوء ويقاس عليه . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الفرض مسح اليدين في التّيمّم إلى الكوعين ، ومن الكوعين إلى المرفقين سنّة ، لحديث « عمّار بن ياسر: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمره بالتّيمّم للوجه والكفّين » . فقد ورد عن عبد الرّحمن بن أبزى قال: « جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب فقال: إنّي أجنبت فلم أصب الماء . فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطّاب: أما تذكر أنّا كنّا في سفر أنا وأنت ، فأمّا أنت فلم تصلّ ، وأمّا أنا فتمعّكت فصلّيت ، فذكرت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كان يكفيك هكذا ، فضرب النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكفّيه الأرض ونفخ فيهما ، ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه » .
ثمّ إنّ المفروض عند الحنفيّة والشّافعيّة ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين ، وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الضّربة الأولى فرض ، والثّانية سنّة .
وسبب اختلاف الفقهاء في هذا هو أنّ آية التّيمّم مجملة ، والأحاديث الواردة متعارضة ، فحديث عمّار المتقدّم فيه ضربة واحدة للوجه والكفّين ، وهناك أحاديث تصرّح بالضّربتين كحديث ابن عمر: « التّيمّم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين » . وروى أبو داود:
« أنّه صلى الله عليه وسلم تيمّم بضربتين مسح بإحداهما وجهه وبالأخرى ذراعيه » .
واتّفق الفقهاء على إزالة الحائل عن وصول التّراب إلى العضو الممسوح كنزع خاتم ونحوه بخلاف الوضوء . وذلك لأنّ التّراب كثيف ليس له سريان الماء وسيلانه . ومحلّ الوجوب عند الشّافعيّة في الضّربة الثّانية ويستحبّ في الأولى ، ويجب النّزع عند المسح لا عند نقل التّراب . وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب تخليل الأصابع بباطن الكفّ أو الأصابع كي يتمّ المسح . والتّخليل عند الشّافعيّة والحنابلة مندوب احتياطا . وأمّا إيصال التّراب إلى منابت الشّعر الخفيف فليس بواجب عندهم جميعا لما فيه من العسر بخلاف الوضوء .
ج - التّرتيب:
12 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ التّرتيب في التّيمّم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل مستحبّ ، لأنّ الفرض الأصليّ المسح ، وإيصال التّراب وسيلة إليه فلا يجب التّرتيب في الفعل الّذي يتمّ به المسح .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ التّرتيب فرض كالوضوء . وذهب الحنابلة إلى أنّ التّرتيب فرض عندهم في غير حدث أكبر ، أمّا التّيمّم لحدث أكبر ونجاسة ببدن فلا يعتبر فيه ترتيب .
د - الموالاة:
13 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ الموالاة في التّيمّم سنّة كما في الوضوء ، وكذا تسنّ الموالاة بين التّيمّم والصّلاة . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الموالاة في التّيمّم عن الحدث الأصغر فرض ، وأمّا عن الحدث الأكبر فهي فرض عند المالكيّة دون الحنابلة .
وزاد المالكيّة وجوب الموالاة بين التّيمّم وبين ما يفعل له من صلاة ونحوها .
الأعذار الّتي يشرع بسببها التّيمّم:
14 -المبيح للتّيمّم في الحقيقة شيء واحد . وهو العجز عن استعمال الماء ، والعجز ، إمّا لفقد الماء وإمّا لعدم القدرة على استعماله مع وجوده:
أوّلًا: فقد الماء:
أ - فقد الماء للمسافر:
15 -إذا فقد المسافر الماء بأن لم يجده أصلا ، أو وجد ماء لا يكفي للطّهارة حسّا جاز له التّيمّم ، لكن يجب عند الشّافعيّة والحنابلة أن يستعمل ما تيسّر له منه في بعض أعضاء الطّهارة ثمّ يتيمّم عن الباقي لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » ويكون فقد الماء شرعا للمسافر بأن خاف الطّريق إلى الماء ، أو كان بعيدا عنه فلا يكلّف المسافر حينئذ بطلبه .
ويشترط عند الشّافعيّة والحنابلة لمن ظنّ وجود الماء أو شكّ في وجوده - ومثله عند الشّافعيّة مارّ توهّم وجوده - أن يطلبه فيما قرب منه لا فيما بعد .
حدّ البعد عن الماء:
16 -اختلف الفقهاء في حدّ البعد عن الماء الّذي يبيح التّيمّم: فذهب الحنفيّة إلى أنّه ميل وهو يساوي أربعة آلاف ذراع . وحدّده المالكيّة بميلين ، والشّافعيّة بأربعمائة ذراع ، وهو حدّ الغوث وهو مقدار غلوة"رمية سهم"، وذلك في حالة توهّمه للماء أو ظنّه أو شكّه فيه ، فإن لم يجد ماء تيمّم ، وكذلك الحكم عند الحنفيّة فأوجبوا طلب الماء إلى أربعمائة خطوة إن ظنّ قربه من الماء مع الأمن .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن تيقّن فقد الماء حوله تيمّم بلا طلب ، أمّا إذا تيقّن وجود الماء حوله طلبه في حدّ القرب - وهو ستّة آلاف خطوة - ولا يطلب الماء عند الشّافعيّة سواء في حدّ القرب أو الغوث إلّا إذا أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرّفقة .
وقال المالكيّة: إذا تيقّن أو ظنّ الماء طلبه لأقلّ من ميلين ، ويطلبه عند الحنابلة فيما قرب منه عادة . هذا فيما إذا لم يجد الماء ، أمّا إذا وجد الماء عند غيره أو نسيه في رحله فهل يجب عليه شراؤه أو قبول هبته ؟
الشّراء:
17 -يجب على واجد الماء عند غيره أن يشتريه إذا وجده بثمن المثل أو بغبن يسير ، وكان ما عنده من المال فاضلا عن حاجته . فإن لم يجده إلا بغبن فاحش أو لم يكن معه ثمن الماء تيمّم . وزاد المالكيّة والقاضي من الحنابلة أنّه إن لم يكن له مال اشتراه في ذمّته إن كان غنيّا في بلده أو يرجو الوفاء ببيع شيء ، أو اقتضاء دين ، أو نحو ذلك ، وقالوا أيضا بوجوب اقتراض الماء أو ثمنه إذا كان يرجو وفاءه .
الهبة: