وعند الشّافعيّة يجدّد التّيمّم للنّذر لأنّه كالفرض في الأظهر ، ولا يجمعه في فرض آخر . ويصحّ عند الشّافعيّة لمن نسي صلاة من الصّلوات الخمس أن يصلّيها جميعا بتيمّم واحد ، لأنّه لمّا نسي صلاة ولم يعلم عينها وجب عليه أن يصلّي الخمس لتبرأ ذمّته بيقين .
وإنّما جاز تيمّم واحد لهنّ لأنّ المقصود بهنّ واحدة والباقي وسيلة .
وعند المالكيّة يتيمّم خمسا لكلّ صلاة تيمّم خاصّ بها ، ولا يجمع بين فرضين بتيمّم واحد .
ما يصحّ فعله بالتّيمّم مع وجود الماء:
40 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يصحّ فعل عبادة مبنيّة على الطّهارة بالتّيمّم عند وجود الماء إلّا لمريض ، أو مسافر وجد الماء لكنّه محتاج إليه ، أو عند خوف البرد كما سيأتي . وعلى هذا فمن فعل شيئا من العبادات المبنيّة على الطّهارة بالتّيمّم مع وجود الماء في غير الأحوال المذكورة بطلت عبادته ولم تبرأ ذمّته منها .
وذهب الحنفيّة - في المفتى به عندهم - إلى جواز التّيمّم لخوف فوت صلاة جنازة - أي: فوت جميع تكبيراتها - أمّا إذا كان يرجو أن يدرك بعض تكبيراتها فلا يتيمّم لأنّه يمكنه أداء الباقي وحده ، سواء كان بلا وضوء ، أو كان جنبا ، أو حائضا ، أو نفساء إذا انقطع دمها على العادة . لكنّهم اشترطوا في الحائض أن يكون انقطاع دمها لأكثر الحيض .
أمّا إذا كان الانقطاع لتمام العادة فلا بدّ أن تصير الصّلاة دينا في ذمّتها ، أو تغتسل ، أو يكون تيمّمها كاملا بأن يكون عند فقد الماء .
ولو جيء بجنازة أخرى إن أمكنه التّوضّؤ بينهما ، ثمّ زال تمكّنه أعاد التّيمّم وإلّا لا يعيد ، وعند محمّد يعيد على كلّ حال . واختلفوا في وليّ الميّت ، هل يجوز له التّيمّم لأنّ له حقّ التّقدّم ، أو ينتظر لأنّ له حقّ الإعادة ولو صلّوا ؟ فيه خلاف في النّقل عن أبي حنيفة . ويجوز التّيمّم عند وجود الماء أيضا لخوف فوت صلاة العيد بفراغ إمام ، أو زوال شمس ولو بناء على صلاته بعد شروعه متوضّئا وسبق حدثه فيتيمّم لإكمال صلاته ، بلا فرق بين كونه إماما أو مأموما في الأصحّ ، لأنّ المناط خوف الفوت لا إلى بدل .
وكذا كلّ صلاة غير مفروضة خاف فوتها ككسوف وخسوف ، وسنن رواتب ولو سنّة فجر خاف فوتها وحدها ، لأنّها تفوت لا إلى بدل ، وهذا على قياس أبي حنيفة وأبي يوسف ، أمّا على قياس محمّد فلا يتيمّم لها ، لأنّها إذا فاتته لاشتغاله بالفريضة مع الجماعة يقضيها بعد ارتفاع الشّمس عنده ، وعندهما لا يقضيها ، ويجوز التّيمّم عند الحنفيّة أيضا عند وجود الماء لكلّ ما يستحبّ له الطّهارة ، ولا تشترط كنوم وسلام وردّ سلام ، ولدخول مسجد والنّوم فيه ، وإن لم تجز به الصّلاة .
وقال ابن عابدين: إنّ التّيمّم لما لا تشترط له الطّهارة غير معتبر أصلا مع وجود الماء إلّا إذا كان ممّا يخاف فوته لا إلى بدل ، فلو تيمّم المحدث للنّوم ، أو لدخول المسجد مع قدرته على الماء فهو لغو ، بخلاف تيمّمه لردّ السّلام مثلا لأنّه يخاف فوته لأنّه على الفور ، ولذا فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم . قال ابن عابدين: وهو الّذي ينبغي التّعويل عليه .
ولم نجد لهذه المسألة ذكرا عند بقيّة المذاهب .
ولا يجوز التّيمّم عند الحنفيّة مع وجود الماء لخوف فوت جمعة ووقت ، ولو وترا ، لفواتها إلى بدل . وقال زفر: يتيمّم لفوات الوقت . قال الحلبيّ: فالأحوط أن يتيمّم ويصلّي ثمّ يعيد. قال ابن عابدين: وهذا - قول الحلبيّ - قول متوسّط بين القولين وفيه الخروج عن العهدة بيقين ، ثمّ رأيته منقولا في التتارخانية عن أبي نصر بن سلّام وهو من كبار الأئمّة الحنفيّة ، فينبغي العمل به احتياطا ، ولا سيّما وكلام ابن الهمام يميل إلى ترجيح قول زفر .
حكم فاقد الطّهورين:
41 -فاقد الطّهورين هو الّذي لم يجد ماء ولا صعيدا يتيمّم به ، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما ، أو في موضع نجس ليس فيه ما يتيمّم به ، وكان محتاجًا للماء الّذي معه لعطش ، وكالمصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى الماء ، وكمن لا يستطيع الوضوء ولا التّيمّم لمرض ونحوه . فذهب جمهور العلماء إلى أنّ صلاة فاقد الطّهورين واجبة لحرمة الوقت ولا تسقط عنه مع وجوب إعادتها عند الحنفيّة والشّافعيّة ، ولا تجب إعادتها عند الحنابلة ، أمّا عند المالكيّة فإنّ الصّلاة عنه ساقطة على المعتمد من المذهب أداء وقضاء . وفي مسألة صلاة فاقد الطّهورين تفصيلات يرجع إليها في مصطلح: ( صلاة ) .
التّيمّم للجبيرة والجرح وغيرهما:
42 -اتّفق الفقهاء على أنّ من كان في جسده كسور أو جروح أو قروح ونحو ذلك ، فإن لم يخف ضررا أو شيئا وجب غسلها في الوضوء والغسل ، فإن خاف شيئًا من ذلك فيجوز المسح على الجرح ونحوه ، ويجوز التّيمّم وذلك في أحوال خاصّة يذكر تفصيلها والخلاف فيها في مصطلح: ( جبيرة ) .