ذهب الجمهور إلى عدم صحّة التّيمّم إلّا بعد دخول وقت ما يتيمّم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص . واستدلّوا للفرض بقوله تعالى: { إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ } والقيام إلى الصّلاة بعد دخول الوقت لا قبله . كما استدلّوا للنّفل بقوله صلى الله عليه وسلم: « جعلت الأرض كلّها لي ولأمّتي مسجدا وطهورا ، فأينما أدركت رجلًا من أمّتي الصّلاة فعنده مسجده وعنده طهوره » . وإنّما جاز قبل الوقت لكونه رافعا للحدث بخلاف التّيمّم ، فإنّه طهارة ضروريّة فلذلك لم يجز قبل الوقت . أمّا صلاة الجنازة أو النّفل الّذي لا وقت له ، أو الفوائت الّتي أراد قضاءها ،فإنّه لا وقت لهذا التّيمّم ما لم يكن في وقت منهيّ عن الصّلاة فيه شرعًا. وذهب الحنفيّة إلى جواز التّيمّم قبل الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضا لأنّ التّيمّم يرتفع به الحدث إلى وجود الماء ، وليس بمبيح فقط ، وقاسوا ذلك على الوضوء ، ولأنّ التّوقيت لا يكون إلا بدليل سمعيّ ، ولا دليل فيه .
تأخير الصّلاة بالتّيمّم إلى آخر الوقت:
38 -اتّفق الفقهاء في الجملة على أنّ تأخير الصّلاة بالتّيمّم لآخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت ، أمّا إذا يئس من وجوده فيستحبّ له تقديمه أوّل الوقت عند الجمهور - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة - .
وقيّد الحنفيّة أفضليّة التّأخير إلى آخر الوقت أن لا يخرج وقت الفضيلة لا مطلقًا ، حتّى لا يقع المصلّي في كراهة الصّلاة بعد وقت الفضيلة .
واختلفوا في صلاة المغرب هل يؤخّر أم لا ؟ ذهب إلى كلّ فريق من الحنفيّة .
وأمّا المالكيّة فقد فصّلوا في هذه المسألة ، فقالوا: استحباب التّأخير لمن كان يرجو وجود الماء ظنّا أو يقينا ، أمّا إذا كان متردّدًا أو راجيًا له فيتوسّط في فعل الصّلاة .
والقول باستحباب التّأخير هو قول ابن القاسم وهو المعتمد في المذهب ، لأنّ مريد الصّلاة حين حلّت الصّلاة ووجب عليه القيام لها غير واجد للماء فدخل في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًَا طَيِّبًَا } . فكان مقتضى الأمر وجوب التّيمّم أوّل الوقت لكنّه أخّر نظرا لرجائه ، فجعل له حالة وسطى وهي الاستحباب .
وذهب ابن حبيب من المالكيّة إلى أنّ التّيمّم في أوّل الوقت إنّما هو لحوز فضيلته ، وإذا كان موقنا بوجود الماء في الوقت وجب عليه التّأخير ليصلّي بالطّهارة الكاملة ، فإن خالف وتيمّم وصلّى كانت صلاته باطلة ويعيدها أبدا .
والشّافعيّة خصّوا أفضليّته تأخير الصّلاة بالتّيمّم بحالة تيقّن وجود الماء آخر الوقت - مع جوازه في أثنائه - لأنّ الوضوء هو الأصل والأكمل ، فإنّ الصّلاة به - ولو آخر الوقت - أفضل منها بالتّيمّم أوّله . أمّا إذا ظنّ وجود الماء في آخره ، فتعجيل الصّلاة بالتّيمّم أفضل في الأظهر ، لأنّ فضيلة التّقديم محقّقة بخلاف فضيلة الوضوء .
والقول الثّاني: التّأخير أفضل . أمّا إذا شكّ فالمذهب تعجيل الصّلاة بالتّيمّم .
ومحلّ الخلاف إذا اقتصر على صلاة واحدة ، فإن صلّى أوّل الوقت بالتّيمّم وبالوضوء في أثنائه فهو النّهاية في إحراز الفضيلة .
وذهب الحنابلة إلى أنّ تأخير الصّلاة بالتّيمّم أولى بكلّ حال وهو المنصوص عن أحمد ، لقول عليّ - رضي الله عنه - في الجنب: يتلوّم ما بينه وبين آخر الوقت ، فإن وجد الماء وإلّا تيمّم ولأنّه يستحبّ التّأخير للصّلاة إلى ما بعد العشاء وقضاء الحاجة كي لا يذهب خشوعها ، وحضور القلب فيها ، ويستحبّ تأخيرها لإدراك الجماعة ، فتأخيرها لإدراك الطّهارة المشترطة أولى .
ما يجوز فعله بالتّيمّم الواحد:
39 -لمّا كان التّيمّم بدلا عن الوضوء والغسل يصحّ به ما يصحّ بهما كما سبق ، لكن على خلاف بين الفقهاء فيما يصحّ بالتّيمّم الواحد . فذهب الحنفيّة إلى أنّ المتيمّم يصلّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنّوافل ، لأنّه طهور عند عدم الماء كما سبق .
واستدلّوا بحديث: « الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين » وبالقياس على الوضوء ، وعلى مسح الخفّ ، ولأنّ الحدث الواحد لا يجب له طهران .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا يصلّي بتيمّم واحد فرضين ، فلا يجوز للمتيمّم أن يصلّي أكثر من فرض بتيمّم واحد ، ويجوز له أن يجمع بين نوافل ، وبين فريضة ونافلة إن قدّم الفريضة عند المالكيّة . أمّا عند الشّافعيّة فيتنفّل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها لأنّها غير محصورة ، واستدلّوا بقول ابن عبّاس رضي الله عنه من السّنّة أن لا يصلّي الرّجل بالتّيمّم إلا صلاة واحدة ثمّ يتيمّم للصّلاة الأخرى .
وهذا مقتضى سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولأنّه طهارة ضرورة ، فلا يصلّي بها فريضتين ، كما استدلّوا بأنّ الوضوء كان لكلّ فرض لقوله تعالى: { إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ } والتّيمّم بدل عنه ، ثمّ نسخ ذلك في الوضوء ، فبقي التّيمّم على ما كان عليه ، ولقول ابن عمر يتيمّم لكلّ صلاة وإن لم يحدث .
وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا تيمّم صلّى الصّلاة الّتي حضر وقتها ، وصلّى به فوائت ويجمع بين صلاتين ، ويتطوّع بما شاء ما دام في الوقت ، فإذا دخل وقت صلاة أخرى بطل تيمّمه وتيمّم ، واستدلّ الحنابلة بأنّه كوضوء المستحاضة يبطل بدخول الوقت .
ويجوز عند المالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ . صلاة الجنازة مع الفرض بتيمّم واحد ، لأنّ صلاة الجنازة لمّا كانت فرض كفاية سلك بها مسلك النّفل في جواز التّرك في الجملة . ويجوز بالتّيمّم أيضا قراءة القرآن إن كان جنبا ومسّ المصحف ، ودخول المسجد للجنب ، أمّا المرور فيجوز بلا تيمّم .