فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 2053

وذهب المالكيّة إلى أنّ الفصل الطّويل بين التّيمّم والصّلاة يبطله لاشتراطهم الموالاة بينه وبين الصّلاة . وذهب الجمهور إلى أنّه لا يكره للرّجل أن يصيب زوجته إذا كان عادما للماء لحديث أبي ذرّ رضي الله عنه قلت يا رسول اللّه إنّي أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلّي بغير طهور فقال صلى الله عليه وسلم: « الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم » . وذهب المالكيّة وهي رواية للحنابلة إلى كراهة نقض الوضوء أو الغسل لمن هو فاقد الماء إلا لضرر يصيب المتوضّئ من حقن أو غيره ، أو لضرر يصيب تارك الجماع ، فإن كان ثمّ ضرر فلا كراهة حينئذ .

تيمّم العاصي بسفره ومرضه:

34 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة وهو الصّحيح عند المالكيّة والمذهب عند الحنابلة وقول بعض الشّافعيّة - إلى جواز تيمّم العاصي بسفره أو مرضه ، لأنّه من أهل الرّخصة كغيره ، والأدلّة عامّة تشمل الطّائع والعاصي ولم تفرّق بينهما ، ولأنّ العاصي قد أتى بما أمر به فخرج من عهدته ، وإنّ القبح المجاور لا يعدم المشروعيّة . هذا على القول بأنّه رخصة ، أمّا إذا قلنا: إنّ التّيمّم عزيمة فحينئذ لا يجوز تركه عند وجود شرطه .

وذهب الشّافعيّة في الأصحّ إلى أنّ العاصي بسفره ، ومن سافر ليتعب نفسه أو دابّته عبثا يلزمه أن يصلّي بالتّيمّم ويقضي ، لأنّه من أهل الرّخصة . وذهب الشّافعيّة أيضا إلى أنّ العاصي بمرضه ليس من أهل الرّخصة ، فإن عصى بمرضه لم يصحّ تيمّمه حتّى يتوب .

التّيمّم بدل عن الماء:

35 -ذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ التّيمّم ينوب عن الوضوء من الحدث الأصغر ، وعن الغسل من الجنابة والحيض والنّفاس فيصحّ به ما يصحّ بهما من صلاة فرض أو سنّة وطواف وقراءة للجنب ومسّ مصحف وغير ذلك ممّا يعلم من مصطلحي ( وضوء وغسل ) . وقد اختلفوا في مرجع الضّمير في قوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } بناء على اختلافهم في قوله تعالى: { أو لامَسْتُمْ النِّسَاءَ } فمن ذهب من العلماء إلى أنّ الملامسة هي الجماع . قال: إنّ الضّمير يعود على المحدث مطلقا ، سواء أكان الحدث أصغر أم أكبر .

أمّا من ذهب منهم إلى أنّ الملامسة بمعنى اللّمس باليد قال: إنّ الضّمير يعود على المحدث حدثا أصغر فقط ، وبذلك تكون مشروعيّة التّيمّم للجنب ثابتة بالسّنّة . كحديث عمران بن حصين قال: « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سفر فصلّى بالنّاس ، فإذا هو برجل معتزل . فقال: ما منعك أن تصلّي ؟ قال: أصابتني جنابة . ولا ماء . قال: عليك بالصّعيد فإنّه يكفيك » . وكحديث جابر قال: « خرجنا في سفر ، فأصاب رجلا منّا حجر فشجّه في رأسه ثمّ احتلم ، فسأل أصحابه ، هل تجدون لي رخصة في التّيمّم ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلمّا قدمنا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك ، فقال: قتلوه قتلهم اللّه ، ألا سألوا إذ لم يعلموا ، فإنّما شفاء العيّ السّؤال ، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصر ، أو يعصب على جرحه ثمّ يمسح عليه ، ويغسل سائر جسده » . فيدلّ هذا الحديث على جواز العدول عن الغسل إلى التّيمّم إذا خاف الضّرر . ومثل حديث « عمرو بن العاص: أنّه لمّا بعث في غزوة ذات السّلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيمّمت ثمّ صلّيت بأصحابي صلاة الصّبح ، فلمّا قدمنا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له ، فقال: يا عمرو ، صلّيت بأصحابك وأنت جنب ، فقلت: ذكرت قول اللّه تعالى: { وَلا تَقْتُلوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًَا } فتيمّمت ، ثمّ صلّيت ، فضحك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا » . فيدلّ هذا الحديث على جواز التّيمّم من شدّة البرد .

نوع بدليّة التّيمّم عن الماء:

36 -اختلف الفقهاء في نوع البدل هل هو بدل ضروريّ أو بدل مطلق ؟ فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ التّيمّم بدل ضروريّ ولذلك فإنّ الحدث لا يرتفع بالتّيمّم ، فيباح للمتيمّم الصّلاة مع قيام الحدث حقيقة للضّرورة ، كطهارة المستحاضة لحديث أبي ذرّ: « فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك فإنّه خير لك » .

ولو رفع التّيمّم الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده ، وإذا رأى الماء عاد الحدث ، ممّا يدلّ على أنّ الحدث لم يرتفع ، وأبيحت له الصّلاة للضّرورة . إلّا أنّ الحنابلة أجازوا بالتّيمّم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه خلافا للمالكيّة والشّافعيّة .

وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّيمّم بدل مطلق ، وليس ببدل ضروريّ ، فالحدث يرتفع بالتّيمّم إلى وقت وجود الماء في حقّ الصّلاة المؤدّاة لقوله صلى الله عليه وسلم « التّيمّم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث » . أطلق النّبيّ صلى الله عليه وسلم الوضوء على التّيمّم وسمّاه به . والوضوء مزيل للحدث فكذا التّيمّم ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » والطّهور اسم للمطهّر ، والحديث يدلّ على أنّ الحدث يزول بالتّيمّم إلى حين وجود الماء ، فإذا وجد الماء عاد حكم الحديث .

ثمرة هذا الخلاف:

37 -يترتّب على خلاف الفقهاء في نوع بدليّة التّيمّم ما يلي:

أ - وقت التّيمّم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت