فهرس الكتاب

الصفحة 741 من 2053

14 -اتّفق الفقهاء على أنّ العامل من جاب وغيره يستحقّ أجرا على عمله ولكنّهم اختلفوا في مقدار ما يستحقّه مقابل عمله ، وفي كونه يتقيّد بالثّمن ، وفي كون ما يأخذه أجرة . فذهب الحنفيّة إلى أنّ الجابي في الصّدقة يعطى بقدر عمله ما يسعه وأعوانه زاد على الثّمن أو نقص وإن جاوزت كفايته نصف ما جمع من الزّكاة فلا يزاد على النّصف لأنّ التّنصيف عين الإنصاف ، وإنّما يعطى كفايته لأنّه فرّغ نفسه للعمل لمصلحة الفقراء ، فيكون كفايته في الزّكاة كالمقاتلة والقاضي ، وليس ذلك بالإجارة لأنّه عمل غير معلوم ، وما يأخذه العامل من الزّكاة إنّما يأخذه عمالة ، لأنّ أصحاب الأموال لو حملوا الزّكاة إلى الإمام لا يستحقّ العامل شيئا ولو هلك ما جمعه من الزّكاة لم يستحقّ العامل شيئا كالمضارب إذا هلك مال المضاربة ، إلاّ أنّ فيه شبه الصّدقة بدليل سقوط الزّكاة عن أرباب الأموال .

ولذا لا تحلّ للعامل الهاشميّ تنزيها له عن تلك الشّبهة بخلاف الغنيّ ، لأنّه لا يوازيه في الكرامة ، كما لا تحلّ للإمام أو القاضي ، لأنّ رزقهما في بيت المال .

وذكر المالكيّة أنّ الجابي يأخذ أجرة مثله ولا تتقيّد تلك الأجرة بالثّمن ولا بالنّصف ، بل إنّ الزّكاة تدفع كلّها له إن لم يف بعضها بأجرة المثل .

وذكروا أيضا أنّ الجباة لا تدفع أجورهم من الزّكاة إلاّ بوصف الفقر ، فإن لم يكونوا فقراء أخذوا أجورهم من بيت المال مقابل عملهم ، ومثل الجباة في هذا حرّاس زكاة الفطر ، أو حرّاس زكاة المال ، وأمّا ما سوى هؤلاء من العاملين فإنّهم يأخذون أجورهم من الزّكاة بأحد وصفين: الفقر ، أو العمل ، أو بهما معا . إن لم يف أحدهما بالأجرة ، ولا يأخذ الجابي عندهم بوصف العزم إذا كان مديانا بإعطاء الإمام ، لأنّه يقسمها فلا يحكم لنفسه .

ومذهب الشّافعيّة وجوب صرف جميع الزّكاة إلى جميع الأصناف الثّمانية ، مع وجوب التّسوية بين حصص الأصناف الثّمانية ، فيكون لكلّ صنف من الأصناف الثّمانية ثمن ما جمع من الزّكاة . ويستحقّ العامل عند الشّافعيّة من جاب وغيره قدر أجرة عمله قلّ أم كثر ، وهذا متّفق عليه ، فإن كان نصيبه من الزّكاة وهو الثّمن قدر أجرته فقط أخذه ، وإن كان أكثر من أجرته أخذ أجرته والباقي للأصناف بلا خلاف ، لأنّ الزّكاة منحصرة في الأصناف فإذا لم يبق للعامل فيها حقّ تعيّن الباقي للأصناف ، وإن كان أقلّ من أجرته وجب إتمام أجرته بلا خلاف ، وذكر صاحب المهذّب في الجهة الّتي تتمّم منها تلك الأجرة أربع طرق الصّحيح منها عنده وعند الأصحاب كما جاء في المجموع أنّها على قولين: أصحّهما يتمّم من سهام بقيّة الأصناف وهذا الخلاف إنّما هو في جواز التّتميم من سهام بقيّة الأصناف . وأمّا بيت المال فيجوز التّتميم منه بلا خلاف ، فلو رأى الإمام أن يجعل أجرة العامل كلّها من بيت المال ويقسم جميع الزّكوات على بقيّة الأصناف جاز ، لأنّ بيت المال لمصالح المسلمين وهذا من المصالح ، صرّح بهذا كلّه صاحب الشّامل وآخرون ، ونقل الرّافعيّ اتّفاق الأصحاب عليه .

وذكر الحنابلة أنّ للإمام تعيين أجرة الجابي قبل بعثه من غير شرط ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عمر رضي الله عنه ساعيًا ولم يجعل له أجرة فلمّا جاء أعطاه » ، فإن عيّن له أجرة دفعها إليه .

وإلاّ دفع إليه أجرة مثله . ويدفع منها أجرة الحاسب ، والكاتب ، والعدّاد ، والسّائق ، والرّاعي ، والحافظ ، والحمّال ، والكيّال ، ونحو ذلك ، لأنّه من مؤنتها فقدّم على غيره .

وصرّح الشّافعيّة بأنّه يستحبّ البدء بالعامل لأنّه يأخذ على وجه العوض ، وغيره يأخذ على وجه المواساة .

ثالثًا - كيفيّة جباية الزّكاة:

15 -المال الّذي تجب فيه الزّكاة منه ما يعتبر فيه الحول ومنه ما لا يعتبر فيه ، فالمال الّذي لا يعتبر فيه الحول كالزّروع والثّمار لا يجبى إلاّ وقت الوجوب وهو وقت إدراك الثّمار واشتداد الحبّ . ولكن يخرص ، أي يقدّر ما فيه من الثّمر لتحديد الواجب فيه من الزّكاة . وانظر للتّفصيل مصطلح: ( خرص ) .

وأمّا المال الّذي يعتبر فيه الحول كزكاة النّعم مثلًا ، فإنّ السّاعي يعيّن شهرا محدّدًا من السّنة يأتي فيه أصحاب الأموال لجباية زكاته .

واستحبّ الشّافعيّ أن يكون ذلك الشّهر هو المحرّم لأنّه أوّل السّنة ، ويستحبّ عدّ الماشية على من تؤخذ منه على الماء أو في الأفنية لما روي عن عبد اللّه بن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « تؤخذ صدقات النّاس على مياههم ، أو عند أفنيتهم » وإن أخبره صاحب المال بعدده قبل منه ، وإن قال لم يكمل الحول أو فرّقت زكاته ونحو هذا ممّا يمنع الأخذ منه قبل منه ولم يحلّفه ، لأنّ الزّكاة عبادة وحقّ للّه تعالى فلا يحلف عليها كالصّلاة ، ويستحبّ أن لا يأخذ كرائم المال « لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم » وذلك لأنّ الزّكاة مواساة للفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء . ولا يأخذ من أردئها بل يأخذ الوسط .

ويستحبّ للجابي إذا قبض الصّدقة أن يدعو للمزكّي ، لقول اللّه تعالى: { خُذْ مِنْ أمْوَالِهم صَدَقَةً تُطَهِّرْهم وتُزَكِّيهمْ بها وَصلِّ عليهم إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهمْ } وروى عبد اللّه بن أبي أوفى قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللّهمّ صلّ على آل فلان فأتاه أبي بصدقة فقال: اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى » ولا يجب الدّعاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت