فهرس الكتاب

الصفحة 742 من 2053

قال ابن حجر: لأنّه لو كان واجبا لعلّمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم السّعاة ، ولأنّ سائر ما يأخذه الإمام من الكفّارات والدّيون وغيرهما لا يجب عليه فيها الدّعاء ، فكذلك الزّكاة ، وأمّا الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصّا به لكون صلاته سكنا بخلاف غيره .

ومن الدّعاء أن يقول: آجرك اللّه فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أبقيت ، وجعله اللّه طهورًا ، ويستحبّ للمعطي أن يقول: اللّهمّ اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا .

ونقل وجه لبعض الشّافعيّة أنّ دعاء قابض الصّدقة لدافعها واجب عملًا بظاهر الآية لقوله تعالى: { وَصَلِّ عَليهمْ } .

رابعًا - جباية الفيء:

16 -الفيء من موارد بيت المال ، وهو المال المأخوذ من الكفّار بغير قتال ولا إيجاف خيل أو ركاب . ويشمل الفيء عددًا من الأموال منها ما هرب عنه الكفّار بغير قتال ، ومنها الجزية ، والخراج ، والعشور .

أ - جباية الجزية:

17 -الجزية لغة: اسم للمال المأخوذ من أهل الذّمّة . واصطلاحًا عبارة عن وظيفة أو مال يؤخذ من الكافر في كلّ عام مقابل إقامته في ديار الإسلام .

أمّا الإنابة في أدائها ومقدارها ومتى تجب وعلى من تجب فينظر في ذلك مصطلح: ( جزية ) .

18 -وأمّا كيفيّة جبايتها فقد أورد بعض الفقهاء منهم الخراسانيّون من الشّافعيّة صورًا لكيفيّة الصّغار منها: الوارد في الآية ، ومنها أنّ الجزية تؤخذ من الذّمّيّ وهو قائم ، ويكون القابض قاعدا ، وتكون يد القابض أعلى من يد الذّمّيّ ، ويقول له القابض أعط يا عدوّ اللّه . وقال النّوويّ والرّافعيّ: إنّ الأصحّ عند الشّافعيّة تفسير الصّغار بالتزام أحكام الإسلام وجريانها عليهم ، ونقل عميرة البرلّسيّ نحوه من كلام الشّافعيّ في الأمّ فقد قال: إن أخذ الجزية منهم أخذها بأحمال ولم يضرّ أحد منهم ولم ينله بقول قبيح . قالوا: وأشدّ الصّغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطرّ إلى احتماله .

وقريب من ذلك ما ذكره الحنابلة من أنّ أهل الذّمّة لا يعذّبون في أخذ الجزية .

فعن هشام بن عروة قال: مرّ هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشّام قد أقيموا في الشّمس فقال: ما شأنهم ؟ قالوا حبسوا في الجزية ، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « إنّ اللّه يعذّب الّذين يعذّبون النّاس في الدّنيا » .

وروي أنّ عمر أتي بمال كثير قال أبو عبيد أحسبه الجزية فقال: إنّي لأظنّكم قد أهلكتم النّاس ؟ قالوا واللّه ما أخذنا إلاّ عفوًا صفوًا قال بلا سوط ولا نوط . قالوا: نعم . قال: الحمد للّه الّذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني .

ب - جباية الخراج:

19 -الخراج في اللّغة: اسم للكراء والغلّة ومنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

« الخراج بالضّمان » وهو عند الفقهاء ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدّى عنها لبيت المال . ، والأرض المختصّة بوضع الخراج عليها هي الّتي صولح عليها المشركون من أرضهم على أنّها لهم ولنا عليها الخراج . وكذلك الأرض الّتي فتحت عنوة عند من يقول بوضع الخراج عليها . فأمّا مقدار الخراج المأخوذ فينظر في مصطلح: ( خراج ) .

ج - جباية عشور أهل الذّمّة:

20 -العشر ضريبة من أهل الذّمّة عن أموالهم الّتي يتردّدون بها متاجرين إلى دار الحرب ، أو يدخلون بها من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو ينتقلون بها من بلد في دار الإسلام إلى بلد آخر ، تؤخذ منهم في السّنة مرّة ما لم يخرجوا من دار الإسلام ثمّ يعودوا إليها مثلها عشور أهل الحرب من التّجّار كذلك إذا دخلوا بتجارتهم إلينا مستأمنين .

ما يشترط في جابي الخراج:

21 -يرسل الإمام بعض أهل الخبرة ليقدّر ما يوضع على الأرضين الخراجيّة من الخراج فإذا استقرّ ذلك وعلم يرسل الإمام من يجبي الخراج في موعده حسب التّقدير السّابق ، ويشترط في من يقوم بجباية عموم ما استقرّ من أموال الفيء من خراج وغيره ، الإسلام ، والحرّيّة ، والأمانة ، والاضطلاع بالحساب والمساحة ، ولا يشترط أن يكون فقيها مجتهدًا ، لأنّه يتولّى قبض ما استقرّ بوضع غيره .

فإن كانت ولايته على نوع خاصّ من أموال الفيء فإنّه يعتبر ما وليه منها ، وحينئذ لا يخلو حاله عن أحد أمرين إمّا أن لا يستغني فيه عن الاستنابة ، وإمّا أن يستغني عنها ، فإن لم يستغن فيه عن الاستنابة اعتبر فيه الإسلام والحرّيّة مع اضطلاعه بشروط ما ولي من مساحة أو حساب ، ولم يجز أن يكون ذمّيّا ولا عبدا لأنّ فيها ولاية ، وإن استغنى عن الاستنابة جاز أن يكون عبدا لأنّه كالرّسول المأمور . وأمّا كونه ذمّيّا فينظر فيما ردّ إليه من مال الفيء ، فإن كانت معاملته فيه مع المسلمين كالخراج الموضوع على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي المسلمين ففي جواز كونه ذمّيّا وجهان .

هذا وإذا بطلت ولاية العامل فقبض مال الفيء مع فساد ولايته برئ الدّافع ممّا عليه إذا لم ينهه عن القبض ، لأنّ القابض منه مأذون له ، وإن فسدت ولايته وجرى في القبض مجرى الرّسول ، ويكون الفرق بين صحّة ولايته وفسادها أنّ له الإجبار على الدّفع مع صحّة الولاية وله الإجبار مع فسادها ، فإن نهي عن القبض مع فساد ولايته لم يكن له القبض ولا الإجبار ولم يبرأ الدّافع بالدّفع إليه إذا علم بنهيه . وفي براءته إذا لم يعلم بالنّهي وجهان ، بناء على عزل الوكيل إذا تصرّف من غير علم بالعزل . هذا ويعيّن الجابي شهرًا من السّنة لجباية تلك الأموال ، وأمّا ما يأخذه مقابل عمله فهو كما ذكر المالكيّة كفاية سنة ويقدّمه الإمام على غيره عند القسمة بعد آل النّبيّ صلى الله عليه وسلم .

محاسبة الإمام للجباة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت