قال ابن عابدين: الحاصل أنّ الميّت إن كان محدثًا فلا كراهة ، وإن كان نجسًا كره . والظّاهر أنّ هذا أيضًا إذا لم يكن الميّت مسجّى بثوب يستر جميع بدنه ، وكذا ينبغي تقييد الكراهة بما إذا قرأ جهرًا . وعند المالكيّة يكره قراءة شيء من القرآن مطلقًا .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه لا يقرأ عند الميّت قبل الدّفن لئلاّ تشغلهم القراءة عن تعجيل تجهيزه ، خلافًا لابن الرّفعة وبعضهم ، وجوّزه الرّمليّ بحثا . أمّا بعد الدّفن فيندب عندهم .
ولم نعثر على تصريح للحنابلة في غير المحتضر .
النّوح والصّياح على الميّت:
8 -يكره النّوح ، والصّياح ، وشقّ الجيوب ، في منزل الميّت ، وفي الجنائز ، أو في محلّ آخر للنّهي عنه ، ولا بأس بالبكاء بدمع قال الحنفيّة: والصّبر أفضل .
فقد روى الشّيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم برئ من الصّالقة والحالقة والشّاقّة » . وأخرجا من حديث ابن مسعود « ليس منّا من ضرب الخدود ، وشقّ الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهليّة » .
وأمّا البكاء بغير صوت فيدلّ على جوازه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رفع إليه ابن لابنته ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه ، وقال: هذه رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده » .
وقول عمر: - في حقّ نساء خالد بن الوليد - دعهنّ يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة ذكره البخاريّ تعليقًا .
وفي الصّبر روى البخاريّ: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتّقي اللّه واصبري » . والمراد بالكراهة كراهة التّحريم عند الحنفيّة . وقال السّرّاج: قد أجمعت الأمّة على تحريم النّوح ، والدّعوى بدعوى الجاهليّة ، ذكره الطّحطاويّ .
والمراد بالبكاء في حديث: « إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه » النّدب ، والنّياحة ، وإنّما يعذّب الميّت إذا أوصى بذلك .
وفي غاية المنتهى من كتب الحنابلة لا يكره بكاء على ميّت قبل موت ولا بعده ، بل استحباب البكاء رحمة للميّت سنّة صحيحة ، وحرم ندب وهو بكاء مع تعديد محاسنه ، ونوح وهو رفع صوت بذلك برقّة وشقّ ثوب ، وكره استدامة لبس مشقوق ، وحرم لطم خدّ ، وخمشه ، وصراخ ، ونتف شعر ونشره وحلقه ، وعدّ في ( الفصول ) من المحرّمات إظهار الجزع ، لأنّه يشبه التّظلّم من الظّالم ، وهو عدل من اللّه سبحانه . قال صاحب الغاية: ( ويتّجه ) ومثله إلقاء تراب على الرّأس ، ودعاء بويل وثبور ، ويباح يسير ندبة لم تخرج مخرج نوح ، نحو يا أبتاه يا ولداه ، فإن زاد يصير ندبًا ويجب منعه لأنّه محرّم .
شقّ بطن الميّتة لإخراج الجنين:
9 -ذهب الحنفيّة وهو قول ابن سريج وبعض الشّافعيّة ، إلى أنّه إن ماتت امرأة والولد يضطرب في بطنها يشقّ بطنها ويخرج الولد ، وقال محمّد بن الحسن لا يسع إلاّ ذلك . ومذهب الشّافعيّة وهو المتّجه عند الحنابلة ، أنّه يشقّ للولد إن كان ترجى حياته .
فإن كان لا ترجى حياته فالأصحّ أنّه لا يشقّ . وعند أحمد حرم شقّ بطنها وأخرج نساء لا رجال من ترجى حياته ، فإن تعذّر لم تدفن حتّى يموت ، فإن لم يوجد نساء لم يسط عليه الرّجال ، لما فيه من هتك حرمة الميّتة ، ويترك حتّى يتيقّن موته .
وعنه يسطو عليه الرّجال والأولى بذلك المحارم .
وقال ابن القاسم من المالكيّة: لا يبقر بطن الميّتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها .
وقال سحنون منهم: سمعت أنّ الجنين إذا استيقن بحياته وكان معروف الحياة ، فلا بأس أن يبقر بطنها ويستخرج الولد .
وفي الشّرح الصّغير لا يشقّ بطن المرأة عن جنين ولو رجي حياته على المعتمد ، ولكن لا تدفن حتّى يتحقّق موته ولو تغيّرت .
واتّفقوا على أنّه إن أمكن إخراجه بحيلة غير الشّقّ وجبت .
غسل الميّت:
9 م - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تغسيل الميّت واجب كفاية بحيث إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وتفصيل أحكامه في مصطلح: ( تغسيل الميّت ) .
تكفين الميّت:
10 -اتّفق الفقهاء على أنّ تكفين الميّت بما يستره فرض على الكفاية .
وتفصيل أحكامه ينظر في مصطلح: ( تكفين ) .
حمل الجنازة:
حكم الحمل وكيفيّته:
11 -أجمع الفقهاء على أنّ حمل الجنازة فرض على الكفاية ، ويجوز الاستئجار على حمل الجنازة .
وأمّا كيفيّة حمل الجنازة وعدد حامليها فيسنّ عند الحنفيّة أن يحملها أربعة رجال ، فإذا حملوا الميّت على سرير أخذوه بقوائمه الأربع وبه وردت السّنّة ، فقد روى ابن ماجه عن ابن مسعود قال: « من اتّبع جنازة فليحمل بجوانب السّرير كلّها فإنّه من السّنّة ، ثمّ إن شاء فليتطوّع وإن شاء فليدع » .
12 -ثمّ إنّ في حمل الجنازة شيئين: نفس السّنّة ، وكمالها ، أمّا نفس السّنّة فهي أن تأخذ بقوائمها الأربع على طريق التّعاقب بأن يحمل من كلّ جانب عشر خطوات .
وأمّا كمال السّنّة ، فهو أن يبدأ الحامل بحمل الجنازة من جانب يمين مقدّم الميّت وهو يسار الجنازة ... فيحمله على عاتقه الأيمن ، ثمّ المؤخّر الأيمن للميّت على عاتقه الأيمن ، ثمّ المقدّم الأيسر للميّت على عاتقه الأيسر ، ثمّ المؤخّر الأيسر للميّت على عاتقه الأيسر .
ويكره حملها بين العمودين ، بأن يحملها رجلان أحدهما يحمل مقدّمها والآخر مؤخّرها ، لأنّه يشقّ على الحاملين ، ولا يؤمن من سقوط الجنازة . إلاّ عند الضّرورة ، مثل ضيق المكان أو قلّة الحاملين أو نحو ذلك ، وعليه حمل ما روي من الحمل بين العمودين .