فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 2053

وأمّا المالكيّة ففي الشّرح الصّغير: جاز خروج متجالَّةٍ"كبيرة السّنّ"لجنازة مطلقًا ، وكذا شابّة لا تخشى فتنتها ، لجنازة من عظمت مصيبته عليها ، كأب ، وأمّ ، وزوج ، وابن ، وبنت ، وأخ ، وأخت ، أمّا من تخشى فتنتها فيحرم خروجها مطلقًا .

وقال الحنابلة: كره أن تتبع الجنازة امرأة وحكى الشّوكانيّ عن القرطبيّ أنّه قال: إذا أمن من تضييع حقّ الزّوج والتّبرّج وما ينشأ من الصّياح ونحو ذلك فلا مانع من الإذن لهنّ ، ثمّ قال الشّوكانيّ: هذا الكلام هو الّذي ينبغي اعتماده في الجمع بين الأحاديث المتعارضة .

قال الحنفيّة: وإذا كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت ، فإن لم تنزجر فلا بأس بأن يمشي معها ، لأنّ اتّباع الجنازة سنّة فلا يتركه لبدعة من غيره ، لكن يمشي أمام الجنازة كما تقدّم .

وقال الحنابلة: حرم أن يتبعها المشيّع مع منكر ، نحو صراخ ، ونوح ، وهو عاجز عن إزالته ، ويلزم القادر إزالته .

ما ينبغي أن يفعل مع الجنازة وما لا ينبغي:

اتّباع الجنازة بمبخرة أو نار:

16 -اتّفق الفقهاء على أنّ الجنازة لا تتبع بنار في مجمرة"مبخرة"ولا شمع .

وفي مراقي الفلاح: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ، ويكره تجمير القبر .

إلاّ لحاجة ضوء أو نحوه . لحديث أبي داود مرفوعًا: « لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار » .

الجلوس قبل وضع الجنازة:

17 -يكره لمتّبع الجنازة أن يجلس قبل وضعها للنّهي عن ذلك . فعن أبي هريرة مرفوعًا: « من تبع جنازة فلا يقعدن حتّى توضع » .

قال الطّحطاويّ: إنّ في الجلوس قبل وضعها ازدراء بها ، قال الحازميّ: وممّن رأى ذلك الحسن بن عليّ ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وابن الزّبير ، والأوزاعيّ ، وأهل الشّام ، وأحمد ، وإسحاق ، وذكر النّخعيّ والشّعبيّ أنّهم كانوا يكرهون أن يجلسوا حتّى توضع عن مناكب الرّجال وبه قال محمّد بن الحسن .

قال ابن حجر في الفتح: ذهب أكثر الصّحابة والتّابعين إلى استحباب القيام ، كما نقله ابن المنذر ، وهو قول الأوزاعيّ ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمّد بن الحسن ، والمختار عند الشّافعيّة استحباب القيام مع الجنازة حتّى توضع ، قال الحازميّ: وخالفهم في ذلك آخرون ، ورأوا الجلوس أولى ، وقال بعض السّلف: يجب القيام . فإذا وضعت الجنازة على الأرض عند القبر فلا بأس بالجلوس ، وإنّما يكره قبل أن توضع عن مناكب الرّجال .

والأفضل أن لا يجلسوا ما لم يسوّوا عليه التّراب لرواية أبي معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة « حتّى توضع في اللّحد » وخالفه الثّوريّ وهو أحفظ فقال: « في الأرض » . ونقل حنبل"من أصحاب أحمد"لا بأس بقيامه على القبر حتّى تدفن جبرًا وإكرامًا ، وكان أحمد إذا حضر جنازة وَلِيَها لم يجلس حتّى تدفن .

القيام للجنازة:

18 -مذهب الحنفيّة وأحمد لا يقوم للجنازة إذا مرّت به إلاّ أن يريد أن يشهدها ، وكذا إذا كان القوم في المصلّى ، وجيء بجنازة ، قال بعضهم: لا يقومون إذا رأوها قبل أن توضع الجنازة عن الأعناق وهو الصّحيح ، وما رواه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتّى تخلفكم أو توضع » منسوخ بما روي من طرق عن عليّ رضي الله عنه قال: « قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ قعد » ، قال الحازميّ: قال أكثر أهل العلم: ليس على أحد القيام لجنازة ، وبه قال مالك وأهل الحجاز والشّافعيّ وأصحابه ، وذهبوا إلى أنّ الأمر بالقيام منسوخ ، وكذا قال القاضي عياض .

وقال الحنابلة: كره قيام لها - أي للجنازة - لو جاءت أو مرّت به وهو جالس ، وقال في المغني: « كان آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ترك القيام للجنازة » ، والأخذ بآخر الأمرين أولى . وفي شرح مسلم: المشهور في مذهبنا أنّ القيام ليس مستحبًّا . وقالوا: هو منسوخ بحديث عليّ ثمّ قال النّوويّ: اختار المتولّي من أصحابنا أنّ القيام مستحبّ وهذا هو المختار ، فيكون الأمر به للنّدب ، والقعود لبيان الجواز ، ولا يصحّ دعوى النّسخ في مثل هذا ، لأنّ النّسخ إنّما يكون إذا تعذّر الجمع ولم يتعذّر .

قال القليوبيّ من الشّافعيّة: وهذا هو المعتمد . وحكى القاضي عياض عن أحمد ، وإسحاق ، وابن حبيب وابن الماجشون المالكيّين أنّهم قالوا: هو مخيّر .

الصّمت في اتّباع الجنازة:

19 -ينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصّمت ، ويكره رفع الصّوت بالذّكر وقراءة القرآن وغيرهما ، لما روي عن قيس بن عبادة أنّه قال: « كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصّوت عند ثلاثة: عند القتال ، وعند الجنازة ، والذّكر » .

وهذه الكراهة قيل: كراهة تحريم ، وقيل: ترك الأولى . فإن أراد أن يذكر اللّه تعالى ففي نفسه ، أي سرًّا بحيث يسمع نفسه ، وفي السّراج: يستحبّ لمن تبع الجنازة أن يكون مشغولًا بذكر اللّه تعالى ، أو التّفكّر فيما يلقاه الميّت ، وأنّ هذا عاقبة أهل الدّنيا ، وليحذر عمّا لا فائدة فيه من الكلام ، فإنّ هذا وقت ذكر وموعظة ، فتقبح فيه الغفلة ، فإن لم يذكر اللّه تعالى فيلزم الصّمت ، ولا يرفع صوته بالقراءة ولا بالذّكر ، ولا يغترّ بكثرة من يفعل ذلك ، وأمّا ما يفعله الجهّال من القراءة مع الجنازة من رفع الصّوت والتّمطيط فيه فلا يجوز بالإجماع . وروى ابن أبي شيبة عن المغيرة قال: كان رجل يمشي خلف الجنازة ويقرأ سورة الواقعة فسئل إبراهيم النّخعيّ عن ذلك فكرهه ، ولا يسع أحدًا يقدر على إنكاره أن يسكت عنه ولا ينكر عليه ، وعن إبراهيم النّخعيّ أنّه كان ينكر أن يقول الرّجل وهو يمشي معها: استغفروا له يغفر اللّه لكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت