وقال الحنفيّة: ولو كان الوليّان في درجة واحدة فأكبرهما سنّا أولى ، ولهما أن يقدّما غيرهما فلو قدّم كلّ واحد منهما رجلًا على حدة فالّذي قدّمه الأكبر أولى .
وليس لأحدهما أن يقدّم إنسانًا إلاّ بإذن الآخر ، إلاّ إن قدّما الأسنّ لسنّه"لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الكبر الكبر » ولغيره من الأحاديث ."
وإذا أراد أحد الوليّين المتساويين درجة أن يستخلف غيره كان الآخر أولى بأن يستخلفه . فإن تشاجر الوليّان فتقدّم أجنبيّ بغير إذنهما فصلّى ، ينظر إن صلّى الأولياء معه جازت الصّلاة ولا تعاد ، وإن لم يصلّوا معه فلهم إعادة الصّلاة لعدم سقوط حقّهم وإن تأدّى الفرض ، ولا يعيد مع الأولياء من صلّى مع غيرهم .
وقال المالكيّة: إن تعدّدت العصبة المتساوون في القرب من الميّت ، قدّم الأفضل منهم لزيادة فقه أو حديث أو نحو ذلك ، وكذا الأجانب إذا لم يوجد غيرهم يقدّم الأفضل منهم كما في صلاة الجماعة .
وقال الشّافعيّة: بتقديم الأسنّ إذا استوى الولاة وتشاحّوا ، إلاّ أن تكون حالة الأسنّ غير محمودة ، فكان أفضلهم وأفقههم أحبّ ، فإن تقاربوا فأسنّهم ، لأنّ الغرض هنا الدّعاء ودعاء الأسنّ أقرب للإجابة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّ اللّه يستحيي أن يردّ دعوة ذي الشّيبة في الإسلام » وإن استووا وقلّما يكون ذلك فلم يصطلحوا أقرع بينهم .
وقال الحنابلة: إذا تساوى الأولياء قدّم من كان أولاهم بالإمامة في الصّلوات الخمس ، فإن استووا فيه أيضًا أقرع بينهم ، وتكره إمامة غير الأولى بلا إذنه مع حضوره ، لكن يسقط به الفرض ، فإن صلّى الأولى خلفه صار إذنًا ، وإلاّ فله أن يعيدها ، لأنّها حقّه ، ويجوز أن يعيدها من صلّاها تبعًا للأولى .
43 -وعند الشّافعيّة والحنابلة: تسنّ الصّلاة على الجنازة لكلّ من لم يصلّ أوّلا ، سواء أكان أولى بالصّلاة عليه أم لم يكن .
وقال في الأمّ: إن سبق الأولياء بالصّلاة على الجنازة ثمّ جاء وليّ آخر أحببت أن لا توضع للصّلاة ثانية ، وإن فعل فلا بأس إن شاء اللّه .
وعند مالك لا تعاد الصّلاة على الجنازة مرّة أخرى .
ما يفسد صلاة الجنازة وما يكره فيها:
44 -تفسد صلاة الجنازة عند الحنفيّة بما تفسد به سائر الصّلوات من الحدث العمد والكلام ، والعمل الكثير وغيرها من مبطلات الصّلاة ، إلاّ المحاذاة فإنّها غير مفسدة في هذه الصّلاة ، لأنّ فساد الصّلاة بالمحاذاة عرف بالنّصّ ، والنّصّ ورد في الصّلاة المطلقة فلا يلحق بها غيرها ، ولهذا لم يلحق بها سجدة التّلاوة حتّى لم تكن المحاذاة فيها مفسدة ، وكذا القهقهة في هذه الصّلاة لا تنقض الطّهارة ، لأنّ القهقهة مبطلة بالنّصّ الوارد في صلاة مطلقة ، فلا يجعل واردًا في غيرها .
وتكره الصّلاة على الجنازة عند طلوع الشّمس وعند غروبها ، وعند انتصاف النّهار ، لحديث عقبة بن عامر: « ثلاث ساعات نهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نصلّي فيها وأن نقبر فيها موتانا » . والمراد بقبر الموتى الصّلاة على الجنازة دون الدّفن .
وإنّما تكره الصّلاة على الجنازة كراهة تحريم عند الحنفيّة إذا حضرت في هذه الأوقات في ظاهر الرّواية ، كما في مراقي الفلاح ، ولكن في تحفة الفقهاء الأفضل أن يصلّي على جنازة حضرت في تلك الأوقات ولا يؤخّرها ، بل قال الزّيلعيّ: إنّ التّأخير مكروه لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: « ثلاث لا تؤخّرها ، الصّلاة إذا آنت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيّم إذا وجدت لها كفئًا » . أمّا إذا حضرت قبل الوقت المكروه فأخّرها حتّى صلّى في الوقت المكروه فإنّها لا تصحّ وتجب إعادتها .
ولا يكره أن يصلّى على الجنازة بعد صلاة الفجر ، أو بعد صلاة العصر ، وكذا بعد طلوع الفجر ، وبعد الغروب قبل صلاة المغرب ، لكن يبدأ بعد الغروب بصلاة المغرب أوّلا ، ثمّ بالجنازة ثمّ بالسّنّة .
قال ابن نجيم: ولعلّه لبيان الأفضليّة ، وفي الحلية: الفتوى على تأخير صلاة الجنازة عن سنّة الجمعة ، فعلى هذا تؤخّر عن سنّة المغرب ، لأنّها آكد .
وقال ابن المبارك: معنى هذا الحديث « أو أن نقبر فيها موتانا » يعني الصّلاة على الجنازة ، وكرهها ابن المبارك عند طلوع الشّمس وعند غروبها ، وإذا انتصف النّهار حتّى تزول الشّمس"كما قال أبو حنيفة"وهو قول أحمد وإسحاق وهو قول مالك والأوزاعيّ وهو قول ابن عمر .
وقال الشّافعيّة: إذا وقع الدّفن في هذه الأوقات بلا تعمّد فلا يكره .
والنّهي عند الشّافعيّ محمول على الصّلوات الّتي لا سبب لها .
التّعزية ، والرّثاء ، وزيارة القبور ونحو ذلك:
45 -قال الطّحطاويّ: إذا فرغوا من دفن الميّت يستحبّ الجلوس ( المكث ) عند قبره بقدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه ، « فقد روى مسلم عن عمرو بن العاص أنّه قال: إذا دفنتموني فشنّوا عليّ التّراب شنًّا ، ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتّى أستأنس بكم ، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربّي » يتلون القرآن ويدعون للميّت .
فقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنّه قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميّت وقف عليه ، فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التّثبيت فإنّه الآن يسأل» .
وكان ابن عمر يستحبّ أن يقرأ على القبر بعد الدّفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها .