والتّلقين بعد الدّفن لا يؤمر به وينهى عنه . وظاهر الرّواية عند الحنفيّة يقتضي النّهي عنه ، وبه قالت المالكيّة فقد ذهبوا إلى أنّ التّلقين بعد الدّفن وحاله مكروه ، وإنّما يندب حال الاحتضار فقط ، واستحبّه الشّافعيّة فقالوا: والتّلقين هنا أن يقول الملقّن مخاطبًا للميّت:
« يا فلان بن فلانة ، - إن كان يعرف اسم أمّه وإلاّ نسبه إلى حوّاء عليها السلام -، ثمّ يقول بعد ذلك اذكر العهد الّذي خرجت عليه من الدّنيا ، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدًا رسول اللّه ، وأنّ الجنّة حقّ ، والنّار حقّ ، وأنّ البعث حقّ ، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ اللّه يبعث من في القبور ، وأنّك رضيت باللّه ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمّد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ، وبالقرآن إمامًا ، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانًا » .
وقال الحنابلة: استحبّ الأكثر تلقينه ، فيقوم عند رأسه بعد تسوية التّراب فيقول:"وذكروا نحو ما ذكرته الشّافعيّة من كلمات التّلقين".
46 -قال كثير من متأخّري الحنفيّة: يكره الاجتماع عند صاحب الميّت حتّى يأتي إليه من يعزّي بل إذا رجع النّاس من الدّفن ليتفرّقوا ويشتغلوا بأمورهم ، وصاحب الميّت بأمره . ويكره الجلوس على باب الدّار للمصيبة ، فإنّ ذلك عمل أهل الجاهليّة ، ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك .وفي الدّرّ المختار: لا بأس بالجلوس للتّعزية في غير مسجد ثلاثة أيّام. قال ابن عابدين: استعمال لا بأس هنا على حقيقته فإنّه خلاف الأولى صرّح به في شرح المنية . أمّا في مسجد فيكره كما في البحر عن المجتبى ، وجزم به في شرح المنية والفتح . وهذا إذا لم يكن الجلوس مع ارتكاب محظور من فرش البسط ، واتّخاذ الأطعمة من أهل الميّت ، وإلاّ كانت بدعة مستقبحة ، كما في مراقي الفلاح وحواشيه .
ونقل في النّهر عن التّجنيس أنّه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيّام ، وكونه على باب الدّار مع فرش بسط على قوارع الطّريق من أقبح القبائح .
قال ابن عابدين: الظّاهر أنّه لا تنتفي الكراهة بالجلوس في المسجد وقراءة القرآن ، حتّى إذا فرغوا قام وليّ الميّت وعزّاه النّاس كما يفعل في زماننا لكون الجلوس مقصودًا للتّعزية لا للقراءة ، ولا سيّما إذا كان هذا الاجتماع والجلوس في المصيبة ثلاثة أيّام جاءت الرّخصة فيه ، ولا تجلس النّساء قطعًا . وفرّق صاحب الظّهيريّة بين الجلوس في البيت أو المسجد والجلوس على باب الدّار ، فحكم على الأوّل أنّه لا بأس به وقال في الثّاني: يكره الجلوس على باب الدّار للتّعزية ، لأنّه عمل أهل الجاهليّة وقد نهي عنه ، وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط ، والقيام على قوارع الطّريق من أقبح القبائح ، ووافق الشّافعيّة الحنفيّة في كراهية الجلوس للتّعزية .
وكذا الحنابلة قالوا: كره جلوس مصاب لها ، وجلوس معزّية كذلك ، لا بقرب دار الميّت ليتبع الجنازة ، أو ليخرج وليّه فيعزّيه ، وقال المالكيّة: يباح الجلوس لقبول التّعزية .
47 -ويستحبّ التّعزية للرّجال والنّساء اللّاتي لا يفتنّ لقوله عليه الصلاة والسلام: « من عزّى أخاه بمصيبة كساه اللّه من حلل الكرامة يوم القيامة » .
وتفصيل باقي أحكام التّعزية ينظر في مصطلح: ( تعزية ) .
صنع الطّعام لأهل الميّت:
48 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يستحبّ لجيران الميّت والأباعد من قرابته تهيئة طعام لأهل الميّت يشبعهم يومهم وليلتهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم » ويلحّ عليهم في الأكل ، لأنّ الحزن يمنعهم فيضعفهم ، وبه قالت المالكيّة ، إلاّ إذا اجتمعوا على محرّم من ندب ولطم ونياحة ، فلا يندب تهيئة الطّعام لهم . ويسنّ ذلك عند الحنابلة ثلاثًا لأهل الميّت لا لمن يجتمع عندهم ، فإنّه يكره لهم ، إلاّ أن يكونوا ضيوفًا .
واتّفق الفقهاء على أنّه تكره الضّيافة من أهل الميّت لأنّها شرعت في السّرور لا في الشّرور ، وهي بدعة مستقبحة ، وقال عليه الصلاة والسلام: « لا عقر في الإسلام » وهو الّذي كان يعقر عند القبر من إبل ، أو بقر ، أو شاة .
وصرّح الحنابلة بأنّه يكره الأكل من طعام أهل الميّت ، فإن كان من تركة وفي مستحقّيها محجور عليه حرّم فعله والأكل منه ، وكره الذّبح والأضحيّة عند القبر ، والأكل منه .
وصرّح الحنابلة والشّافعيّة ، بأنّه يحرم تهيئة الطّعام لنائحات ، لأنّه إعانة على المعصية ، وصرّح الحنفيّة بأنّه يكره اتّخاذ الطّعام في أيّام متعارف عليها كاليوم الأوّل ، والثّالث ، وبعد الأسبوع . ونقل الطّعام إلى القبر في المواسم ، واتّخاذ الدّعوة لقراءة القرآن ، وجمع الصّلحاء والقرّاء للختم ، أو لقراءة سورتي الأنعام والإخلاص .
على أنّه إذا اتّخذ الطّعام للفقراء كان حسنًا ، وقال في المعراج: هذه الأفعال كلّها للسّمعة والرّياء ، فيحترز عنها ، لأنّهم لا يريدون به وجه اللّه تعالى .
وفي غاية المنتهى للحنابلة: ومن المنكر وضع طعام أو شراب على القبر ليأخذه النّاس .
وصول ثواب الأعمال للغير:
49 -ومن صام أو صلّى أو تصدّق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز ، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السّنّة والجماعة ، واستثنى مالك والشّافعيّ العبادات البدنيّة المحضة ، كالصّلاة والتّلاوة ، فلا يصل ثوابها إلى الميّت عندهما ، ومقتضى تحرير المتأخّرين من الشّافعيّة انتفاع الميّت بالقراءة لا حصول ثوابها له .
وللعلّامة ابن القيّم كلام مشبع في هذه المسألة ، فراجع كتاب الرّوح"له".