والكلام في الوكالة يعتبر مثالا للعقود الجائزة كالشّركة ، والمضاربة ، والجعالة ، وغيرها ، وهي تبطل بجنون أحد العاقدين في الجملة .
وعند الحنفيّة تبطل الشّركة بجنون أحد الشّريكين جنونًا مطبقًا ، فالشّركة قائمة إلى أن يتمّ إطباق الجنون فتنفسخ ، فإذا عمل بعد ذلك فالرّبح كلّه للعامل والخسارة عليه .
وعند الحنابلة بعد أن تكلّموا على بطلان الوكالة بجنون الموكّل أو الوكيل قالوا: وكذلك كلّ عقد جائز من الطّرفين كشركة ، ومضاربة ، وجعالة ، يبطل بالجنون المطبق من أحدهما . وتنظر التّفصيلات في أبوابها .
و - طروء الجنون على من له الخيار في البيع:
أ - في خيار المجلس:
29 -خيار المجلس يجعل العقد غير لازم إلى أن يتمّ التّفرّق من المجلس أو يتمّ التّخاير ، وهذا عند من يقول بخيار المجلس ، وهم الشّافعيّة والحنابلة .
وإذا طرأ الجنون على أحد العاقدين في مجلس العقد قبل التّفرّق أو التّخاير ، فالأصحّ عند الشّافعيّة انتقال الخيار إلى الوليّ من حاكم أو غيره ، كالموكّل عند موت الوكيل ، وإلى السّيّد عند موت المكاتب ، أو العبد المأذون ، ومقابل الأصحّ أنّ الخيار يسقط ، لأنّ مفارقة العقل ليست أولى من مفارقة المكان .
وعلى الصّحيح من مذهب الحنابلة ، كما في الإنصاف وغيره ، أنّ الجنون الطّارئ لا يقطع الخيار ، والمجنون على خياره إذا أفاق من جنونه ، ولا يثبت الخيار لوليّه ، لأنّ الرّغبة في المبيع وعدمه ، لا تعلم إلاّ من جهته .
وقيل: وليّه أيضًا يليه في حال جنونه . قاله في الرّعاية .
ويتوجّه كما في مطالب أولي النّهى ، أنّ انتقال الخيار إلى الوليّ إنّما هو في حالة الجنون المطبق ، لليأس من إفاقته ، قال: وهذا مبنيّ على قول مرجوح .
ب - في خيار الشّرط:
30 -في البيع بشرط الخيار إذا طرأ الجنون على من له الخيار ، فعند الشّافعيّة والحنابلة لا ينقطع خياره ، ويقوم وليّه أو الحاكم مقامه ، فيفعل ما فيه الحظّ من الفسخ أو الإجازة . وقال الشّافعيّة كما في المجموع للنّوويّ: إذا جنّ أحد العاقدين في مدّة الخيار وأقام القاضي قيّما يقوم مقامه في الخيار ، ففسخ القيّم أو أجاز ، فأفاق العاقد وادّعى أنّ الغبطة خلاف ما فعله القيّم ، قال القاضي حسين وغيره: ينظر الحاكم في ذلك فإن وجد الأمر كما يقول المفيق مكّنه من الفسخ والإجازة ، ونقض فعل القيّم ، وإن لم يكن ما ادّعاه المفيق ظاهرًا ، فالقول قول القيّم مع يمينه ، لأنّه أمين فيما فعله ، إلاّ أن يقيم المفيق بيّنة بما ادّعاه .
وقد فصّل المالكيّة في طروء الجنون على أحد العاقدين ، قالوا: إذا جنّ من له الخيار وعلم أنّه لا يفيق أو يفيق بعد وقت طويل يضرّ الانتظار إليه بالعاقد الآخر ، فإنّ السّلطان أو نائبه ينظر له في الأصلح من إمضاء أو ردّ .
أمّا إن كان يفيق بعد أيّام الخيار وما ألحق بها بقرب ، بحيث لا يضرّ الصّبر إليه على الآخر فإنّه تنتظر إفاقته ولا ينظر السّلطان . ولو لم ينظر السّلطان حتّى مضى يوم أو يومان من أيّام الخيار فزال الجنون احتسب ما مضى من المدّة على الظّاهر ، ولو لم ينظر السّلطان حتّى أفاق بعد أمد الخيار لا يستأنف له أجل على الظّاهر والمبيع لازم لمن هو بيده .
وإذا نظر السّلطان في الأصلح من الإمضاء أو الرّدّ ، وأفاق المجنون فلا يعتبر اختياره بل ما نظره السّلطان هو المعتبر .
واعتبر الحنفيّة على ما جاء في فتح القدير والفتاوى الهنديّة أنّ الجنون الطّارئ على أحد المتعاقدين في مدّة الخيار هو من المعاني الّتي ينفذ بها البيع إذا مضت أيّام الخيار وهو على جنونه . ولو أفاق في مدّة الخيار فقد حكي عن الطّواويسيّ أنّه لا يكون على خياره .
وقال الإسبيجابيّ وشمس الأئمّة الحلوانيّ: الأصحّ أنّه على خياره وهو منصوص في المأذون ، كذا في الذّخيرة . وقال في الفتاوى الهنديّة: التّحقيق أنّ الجنون لا يسقط الخيار .
طروء الجنون على الموجب قبل القبول:
31 -تحدّث الفقهاء عمّا لو طرأ الجنون على الموجب في العقد قبل قبول الطّرف الآخر . قال الشّافعيّة: لو جنّ الموجب بين الإيجاب والقبول بطل إيجابه .
وقال ابن قدامة: إن أوجب النّكاح ثمّ زال عقله بجنون بطل حكم الإيجاب ولم ينعقد بالقبول بعده . وتنظر تفصيلات ذلك في مواضعه .
طروء الجنون على من وجب عليه قصاص أو حدّ:
أ - في القصاص:
32 -لا خلاف أنّ من قتل غيره وهو مجنون فلا قصاص عليه ، وذلك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يبلغ ، وعن المجنون حتّى يفيق » ولأنّ المجنون ليس له قصد صحيح .
أمّا من ارتكب جريمة القتل وهو عاقل ثمّ جنّ ، فعند الشّافعيّة والحنابلة لا يسقط عنه القصاص ، ويقتصّ منه في حال جنونه سواء ثبتت عليه الجناية ببيّنة أو إقرار ، لأنّ رجوعه غير مقبول .
أمّا الحنفيّة فلهم تفصيل آخر ، قالوا: إن جنّ القاتل قبل القضاء عليه أو جنّ بعد القضاء عليه وقبل دفعه للوليّ سقط القصاص استحسانًا ، وانقلب دية في ماله لتمكّن الخلل في الوجوب ، وإن جنّ بعد دفعه لأولياء القتيل فلهم قتله ، لأنّ شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطبا حال الوجوب ، وذلك بالقضاء ويتمّ بالدّفع إلى أولياء القتيل ، وهذا فيمن كان جنونه مطبقا ، أمّا من كان يجنّ ويفيق فإنّه يقتصّ منه في إفاقته .
واختلفت أقوال المالكيّة: فعند مالك ينتظر إفاقة المجنون فيقتصّ منه حال إفاقته .