قال ابن الموّاز: فإن أيس من إفاقته كانت الدّية عليه في ماله ، ولا يقتل وهو مجنون ، وقال المغيرة: يسلّم إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوه وإن شاءوا عفوا عنه وليس لهم أن يلزموه الدّية ، وقال اللّخميّ: أرى أن يكون الخيار لأولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدّية من ماله إن كان له مال وإلاّ اتّبعوه بها .
ولو أشكل على البيّنة أقتل في حال عقله أو جنونه ، فقال بعض القرويّين: لا يلزمه شيء وهو الصّواب ، لأنّه شكّ في المقضيّ عليه ، لأنّ القاضي لا يحكم عليه إلاّ بعد أن تشهد البيّنة عنده أنّه قتل حال كونه في عقله .
ب - في الحدود:
33 -اتّفق الفقهاء - بالنّسبة لحدّ الرّدّة - على أنّ من ارتدّ وهو عاقل ثمّ جنّ ، فلا يقام عليه الحدّ حال جنونه ، بل ينتظر حتّى يفيق ويستتاب ، لأنّه قد يعقل ويعود إلى الإسلام ، ولأنّ المرتدّ يقتل بالإصرار على الرّدّة ، والمجنون لا يوصف بالإصرار ولا يمكن استتابته . هذا وقد صرّح الشّافعيّة بأنّ من ارتدّ واستتيب فلم يتب ثمّ جنّ ، فإنّه يجوز قتله حال جنونه ، ولم أعثر على مثل هذا الحكم عند غير الشّافعيّة ، وإن كانت قواعدهم لا تأباه ، لأنّ الغاية من انتظار إفاقته هي الاستتابة وقد حصلت .
أمّا بالنّسبة لبقيّة الحدود فهناك فرق بيّن في استيفاء الحدّ ، وبين ما يثبت بالإقرار وما يثبت بالبيّنة على ما صرّح به الشّافعيّة والحنابلة .
جاء في مغني المحتاج: من أقرّ بما يوجب حدّ اللّه تعالى ثمّ جنّ لا يقام عليه حينئذ احتياطًا ، لأنّه قد يرجع عن الإقرار ، فلو استوفي منه حينئذ لم يجب فيه شيء ، بخلاف ما لو ثبت ببيّنة أو أقرّ بقذف ثمّ جنّ فإنّه يستوفى منه في جنونه لأنّه لا يسقط برجوعه .
وقال ابن قدامة: من ثبت عليه الحدّ بإقراره ثمّ جنّ لم يقم عليه الحدّ حال جنونه ، لأنّ رجوعه يقبل ، فيحتمل أنّه لو كان صحيحًا رجع .
وصرّح المالكيّة والحنفيّة بأنّ من ارتكب ما يوجب حدًّا ثمّ جنّ فلا يقام عليه الحدّ حتّى يفيق. وينظر تفصيل ذلك في أبوابه من: ( زنى ، وقذف ، وسرقة ... إلخ ) .