ويقول الحنابلة: إنّ المتنفّل ليلا يراعي المصلحة ، فإن كان بحضرته أو قريبًا منه من يتأذّى بجهره أسرّ ، وإن كان من ينتفع بجهره جهر .
وقال صاحب التّهذيب من الشّافعيّة: يتوسّط ( المتنفّل ليلًا ) بين الجهر والإسرار .
هذا إن لم يشوّش على نائم أو مصلّ أو نحوه وإلاّ فالسّنّة الإسرار .
قال المحبّ بن نصر اللّه الكتّانيّ: والأظهر أنّ النّهار هنا من طلوع الشّمس لا من طلوع الفجر ، واللّيل من غروب الشّمس إلى طلوعها .
وأمّا أحكام الجهر بالقراءة في النّوافل غير المطلقة ، كصلاة العيدين ، والكسوف ، والاستسقاء ، والتّراويح ، والوتر ، فتنظر في مصطلحاتها وفي أبوابها من كتب الفقه .
إسرار المرأة وجهرها في الصّلاة:
19 -ذهب أكثر الشّافعيّة والحنابلة في قول إلى أنّ المرأة إن كانت خالية أو بحضرة نساء أو رجال محارم جهرت بالقراءة ، وإن صلّت بحضرة أجنبيّ أسرّت .
ويرى المالكيّة كراهة الجهر بالقراءة للمرأة في الصّلاة . وصرّحوا بأنّه يجب عليها إن كانت بحضرة أجانب يخشون من علوّ صوتها الفتنة إسماعها نفسها فقط . ويؤخذ من عبارات فقهاء الحنفيّة - وهو وجه عند الشّافعيّة وقول آخر عند الحنابلة - أنّ المرأة تسرّ مطلقًا . قال ابن الهمام: لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصّلاة فسدت كان متّجها .
وهذا هو أحد الوجهين عند الشّافعيّة .
وقال النّوويّ: حيث قلنا: تسرّ فجهرت لا تبطل صلاتها على الصّحيح .
قال المرداويّ: يحتمل أن يكون الخلاف هنا مبنيّا على الخلاف في كون صوتها عورة أم لا . وللتّفصيل ( ر: عورة ، قراءة ، صلاة ) .
ب - الجهر خارج الصّلاة:
الجهر بالنّيّة:
20 -يرى جمهور الفقهاء ، أنّه لو نوى بقلبه ولم يتكلّم بنيّة فإنّه يجوز .
وذهب الشّافعيّة في وجه شاذّ إلى أنّه يشترط نطق اللّسان . وقال النّوويّ: وهو غلط .
ثمّ اختلف الجمهور في المفاضلة بين النّطق بالنّيّة وتركه .
فذهب أكثرهم إلى أولويّة النّطق بالنّيّة ما لم يجهر بها ، لأنّه أتى بالنّيّة في محلّها وهو القلب ونطق بها اللّسان . وذلك زيادة كمال .
وقال بعضهم إنّ النّطق باللّسان مكروه ولو سرًّا ويحتمل ذلك وجهين: أحدهما أنّه قد يكون صاحب هذا القول يرى أنّ النّطق بها بدعة إذ لم يأت في كتاب ولا سنّة .
ويحتمل أن يكون ذلك لما يخشى أنّه إذا نطق بها بلسانه قد يسهو عنها بقلبه وإذا كان ذلك كذلك فتبطل صلاته لأنّه أتى بالنّيه في غير محلّها .
قال ابن قيّم الجوزيّة: « كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة قال: اللّه أكبر ، ولم يقل شيئًا قبلها ، ولا تلفّظ بالنّيّة ألبتّة ولا قال: أصلّي للّه صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا ولا قال: أداء ، ولا قضاء ، ولا فرض الوقت » .
ونقل الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة اتّفاق الأئمّة على عدم مشروعيّة الجهر بالنّيّة وتكريرها وقال: الجاهر بها مستحقّ للتّعزير بعد تعريفه لا سيّما إذا أذى به أو كرّره .
وللتّفصيل: ( ر: نيّة ) .
الجهر بالتّعوّذ عند قراءة القرآن خارج الصّلاة:
21 -يستحبّ التّعوّذ للقارئ خارج الصّلاة بالإجماع . أمّا حكم الجهر بالتّعوّذ أو الإسرار به عند قراءة القرآن ففيه خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح: ( استعاذة ، ف 8 / ج 4 / ص 7 - 8 ، وتلاوة ، ف /6 ج /13 ص /252 - 253 ) .
الجهر بالبسملة عند قراءة القرآن:
22 -تستحبّ قراءة البسملة في أوّل كلّ سورة سوى براءة فإنّ أكثر العلماء قالوا: إنّها آية حيث تكتب في المصحف وقد كتبت في أوائل السّور سوى براءة ، فإذا قرأها كان متيقّنا قراءة الختمة أو السّورة ، فإذا أخلّ بالبسملة كان تاركا لبعض القرآن عند الأكثرين .
قال ابن مفلح: فإن قرأها في غير صلاة فإن شاء جهر بالبسملة وإن شاء لم يجهر نصّ عليه أحمد في رواية أبي داود ومهنّا . تفصيل ذلك ينظر مصطلح: ( بسملة ) .
الجهر بالتّسمية على الطّعام:
23 -أجمع العلماء على استحباب التّسمية على الطّعام في أوّله .
وقالوا: يستحبّ أن يجهر بالتّسمية ليكون فيه تنبيه لغيره على التّسمية وليقتدى به في ذلك. وللتّفصيل: ( ر: أكل ، وبسملة ) .
الجهر بقراءة القرآن خارج الصّلاة:
24 -جاءت آثار بفضيلة الجهر ورفع الصّوت بالقرآن ، وآثار بفضيلة الإسرار وخفض الصّوت . فمن الأوّل حديث: « ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصّوت يتغنّى بالقرآن يجهر به » . ومن الثّاني حديث: « الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصّدقة ، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصّدقة » .
قال النّوويّ: والجمع بينهما أنّ الإخفاء أفضل حيث خاف الرّياء أو تأذّى مصلّون أو نيام بجهره ، والجهر أفضل في غير ذلك ، لأنّ العمل فيه أكبر ولأنّه يتعدّى نفعه إلى غيره ، ولأنّه يوقظ قلب القارئ ، ويجمع همّه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ، ويطرد النّوم ويزيد النّشاط . ويدلّ لهذا الجمع ما ورد عن أبي سعيد أنّه قال: « اعتكف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف السّتر وقال: ألا إنّ كلّكم مناج لربّه ، فلا يؤذينّ بعضكم بعضًا ، ولا يرفع بعضكم على بعضكم في القراءة » .
وقال بعضهم: يستحبّ الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها ، لأنّ المسرّ قد يملّ فيأنس بالجهر ، والجاهر قد يكلّ فيستريح بالإسرار ، إلاّ أنّ من قرأ باللّيل جهر بالأكثر ، وإن قرأ بالنّهار أسرّ بالأكثر ، إلاّ أن يكون بالنّهار في موضع لا لغو فيه ولا صخب ولم يكن في صلاة فيرفع صوته بالقرآن .