الجهر بالتّسليم للخروج من الصّلاة:
14 -لا خلاف بين الفقهاء في سنّيّة الجهر بالتّسليمة الأولى في حقّ الإمام ، واختلفوا فيما سوى ذلك . فيرى الحنابلة - وهو ما يؤخذ من عبارات فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة - أنّه يسنّ جهر الإمام بالتّسليمتين . فقد عدّ أبو السّعود جهر الإمام بالسّلام مطلقًا من سنن الصّلاة . وقال الشّربينيّ الخطيب: يسنّ للمأموم كما في التّحقيق أن لا يسلّم إلاّ بعد فراغ الإمام من تسليمتيه .
وصرّح البجيرميّ بكراهة مقارنة المأموم مع الإمام في السّلام .
فيسنّ جهر الإمام بالسّلام ليسمع المأمومين فيعلموا فراغه من تسليمتيه ويتابعوه .
والسّنّة في السّلام أن يكون جهر الإمام بالتّسليمة الثّانية أخفض من الأولى وقد روي عن أحمد أنّه يجهر بالتّسليمة الأولى وتكون الثّانية أخفى من الأولى . لأنّ الجهر في غير القراءة إنّما شرع للإعلام بالانتقال من ركن إلى ركن وقد حصل العلم بالجهر بالتّسليمة الأولى فلا يشرع الجهر بغيرها . وكان ابن حامد يخفي الأولى ويجهر بالثّانية لئلاّ يسبقه المأمومون بالسّلام . وللتّفصيل ( ر: تسليم وصلاة ، وأبواب صفة الصّلاة من كتب الفقه ) .
الجهر بالتّبليغ:
15 -يسنّ للإمام الجهر بتكبيرات الصّلاة كلّها وبقوله:"سمع اللّه لمن حمده"حتّى بزوائد العيدين ليعلم المأمومون انتقالاته من ركن إلى ركن ويتابعوه في تكبيرات العيدين ، فإن كان الإمام ضعيف الصّوت لمرض أو غيره فلم يصل جهره إلى جميع المقتدين فيجهر المؤذّن أو غيره . من المأمومين جهرًا يسمع النّاس ، فقد أخرج مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: « اشتكى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصلّينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه يسمع النّاس تكبيره » ، وفي رواية لمسلم أيضًا « صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه خلفه فإذا كبّر كبّر أبو بكر ليسمعنا » .
وللتّفصيل ( ر: تبليغ ) .
الجهر في الصّلاة المقضيّة:
16 -يرى المالكيّة والشّافعيّة في قول إيقاع المقضيّة على حسب ما كانت الصّلاة وقت أدائها من جهر وإسرار ، فالاعتبار عندهم بوقت الفائتة .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ من فاتته العشاء فصلّاها بعد طلوع الشّمس إن أمّ فيها جهر كما فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين قضى الفجر غداة ليلة التّعريس بجماعة .
وإن أمّ ليلًا في صلاة النّهار يخافت ولا يجهر فإن جهر ساهيا كان عليه سجود السّهو . والمنفرد إذا قضى الصّلوات الّتي يجهر بها فهو مخيّر بين الجهر والإسرار ، ويرى بعض علماء الحنفيّة أنّ الجهر أفضل من الإسرار .
وذهب الشّافعيّة على الأصحّ إلى أنّ الاعتبار بوقت القضاء .
فالمقضيّة يجهر فيها من مغيب الشّمس إلى طلوعها ، ويسرّ من طلوعها إلى غروبها . ويرى الحنابلة أنّ المصلّي يسرّ في قضاء صلاة جهريّة إذا قضاها في نهار - ولو جماعة - اعتبارا بزمن القضاء ، كصلاة سرّ قضاها ولو ليلًا اعتبارًا بالمقضيّة .
ويجهر بالقراءة في صلاة جهريّة قضاها ليلًا في جماعة اعتبارًا بزمن القضاء وشبّهها بالأداء لكونها في جماعة ، فإن قضاها منفردًا أسرّها لفوات شبهها بالأداء .
الجهر في موضع الإسرار والعكس:
17 -يرى جمهور الفقهاء أنّ الجهر فيما يجهر به والإخفات فيما يخافت فيه سنّة من سنن الصّلاة . وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب الجهر فيما يجهر به والمخافتة فيما يخافت فيه .
ثمّ اختلفوا فيما يوجبه الجهر في موضع الإسرار أو العكس:
فذهب الشّافعيّة والأوزاعيّ إلى أنّ من جهر في موضع الإسرار أو أسرّ في موضع الجهر لم تبطل صلاته ولا سجود سهو عليه ، ولكنّه ارتكب مكروها .
وبهذا يقول الحنابلة إن ترك الجهر والإخفات في موضعهما عمدًا .
وإن ترك سهوًا ففي مشروعيّة السّجود من أجله روايتان عن أحمد:
إحداهما: لا يشرع كما هو مذهب الشّافعيّ والأوزاعيّ . والثّانية: يشرع .
ويرى الحنفيّة أنّه لو جهر الإمام فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر به تلزمه سجدة السّهو ، لأنّ الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات ، لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليهما ، فبتركهما يلزم سجود السّهو .
هذا في حقّ الإمام ، أمّا المنفرد فلا سهو عليه ،لأنّ الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة. وعدّ المالكيّة الجهر فيما يجهر فيه والسّرّ فيما يسرّ فيه من السّنن المؤكّدة الّتي تنجبر بالسّجود . وقالوا: لا سجود في يسير جهر في سرّيّة بأن أسمع نفسه ومن يليه فقط ، أو يسير سرّ في جهريّة ، ولا في إعلان أو إسرار في مثل آية في محلّ سرّ أو جهر .
وعبّر الدّردير عن حاصل المذهب المالكيّ في المسألة بقوله: إنّ من ترك الجهر فيما يجهر فيه وأتى بدله بالسّرّ فقد حصل منه نقص ، لكن لا سجود عليه إلاّ إذا اقتصر على حركة اللّسان . وإنّ من ترك السّرّ فيما يسرّ فيه وأتى بدله بالجهر فقد حصل منه زيادة ، لكن لا سجود عليه بعد السّلام ، إلاّ إذا رفع صوته فوق سماع نفسه ومن يلاصقه ، بأن كان يسمعه من بعد عنه بنحو صفّ فأكثر .
الجهر في النّوافل:
18 -لا خلاف بين الفقهاء في سنّيّة الإسرار في نوافل النّهار المطلقة .
أمّا نوافل اللّيل فيرى المالكيّة وصاحب التّتمّة من الشّافعيّة سنّيّة الجهر فيها .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ المنفرد يخيّر بين الجهر والإخفاء ، لأنّ النّوافل تبع للفرائض لكونها مكمّلات لها فيخيّر فيها المنفرد كما يخيّر في الفرائض . وإن كان إمامًا جهر لما ذكر من أنّها اتّباع الفرائض ، ولهذا يخفي في نوافل النّهار ولو كان إمامًا .