وقال الحنفيّة: لا خير في السّلم في جلود الإبل والبقر ، والغنم ، لأنّ الجلود لا توزن عادة ولكنّها تباع عددًا ، وهي عدديّة متفاوتة فيها الصّغير وفيها الكبير فلا يجوز السّلم فيها ، وهذا مبنيّ على السّلم في الحيوان . والسّلم في الحيوان عندنا لا يجوز ، فكذلك في أبعاض الحيوان ، ولهذا لا يجوز السّلم في الأكارع والرّؤوس ، وكذلك لا يجوز السّلم في الأدم والورق لأنّه مجهول فيه الصّغير والكبير ، إلاّ أن يشترط من الأدم ضربًا معلوم الطّول والعرض والجودة فحينئذ يجوز السّلم فيه كالثّياب ، وكذلك الأدم إذا كان يباع وزنًا ، فإنّه يجوز السّلم فيه بذكر الوزن إذا كان على وجه لا تمكن المنازعة بينهما في التّسليم والتّسلّم . وقال الشّافعيّة: لا يجوز السّلم في الجلد لاختلاف أجزائه في الرّقّة والغلظ ، نعم يصحّ السّلم في قطع منه مدبوغة وزنًا .
ثالث عشر: الإجارة على سلخ حيوان بجلده:
18 -لا يجوز استئجار سلّاخ لسلخ حيوان بجلد ذلك الحيوان ، لأنّ الإجارة تفسد بجهالة المسمّى كلّه أو بعضه ، وهنا تفسد الإجارة بالغرر لأنّه لا يدري أيتقطّع الجلد حال سلخه أم ينفصل سليما ، وهل يكون ثخينًا أم رقيقًا ، ولأنّه لا يجوز أن يكون ثمنًا في البيع فلا يجوز أن يكون عوضًا في الإجارة ، فإن سلخ على ذلك فله أجر مثله .
رابع عشر: ضمان الجلد:
19 -للفقهاء في ضمان جلد الميتة قبل دبغه وبعد دبغه خلاف وتفصيل ، بعد اتّفاقهم على ضمان جلد الحيوان المذكّى .
قال الحنفيّة: يحرم الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ والحرمة لا تستلزم زوال الملك ، وعن أبي يوسف: لو جزّ صوف شاة ميّتة كان له أن ينتفع به ، ولو وجده صاحب الشّاة في يده كان له أن يأخذه منه ، ولو دبغ جلدها كان لصاحبها أن يأخذه بعد أن يعطيه ما زاد في الدّباغ . وقالوا: لو غصب جلد ميتة فدبغه بما له قيمة كالقرظ والعفص فلصاحب الجلد أن يأخذه ، ويردّ على الغاصب ما زاد الدّباغ فيه ، وإن استهلك الغاصب الجلد لم يضمن عند أبي حنيفة ، ويضمنه مدبوغًا ويعطي ما زاد الدّباغ فيه عند أبي يوسف ومحمّد ، ولو هلك في يد الغاصب لم يضمنه بإجماعهم .
ولو دبغ الغاصب الجلد بما لا قيمة له كالتّراب والشّمس فهو لمالكه بلا شيء ، ولو استهلكه الغاصب ضمن قيمته مدبوغا ، وقيل طاهرا غير مدبوغ .
وقال المالكيّة: من غصب جلد ميتة فعليه قيمته دبغ أم لم يدبغ .
وقال الشّافعيّة - في الأصحّ الّذي نقله النّوويّ وغيره - لو أخذ جلد ميتة فدبغه طهر وإن كان مالكه رفع يده عنه ثمّ أخذه الدّابغ فهو للدّابغ ، وإن كان غصبه فهو للمغصوب منه ، لأنّه فرع ملكه ، فإن تلف في يد الغاصب ضمنه ، ولو أعرض المالك عنه وهو ممّن يعتدّ بإعراضه ملكه آخذه ، وإذا لم يعرض عنه لزم الغاصب ردّه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » لأنّه منتفع به ، ولو أتلف جلدًا لم يدبغ ، فادّعى مالكه تذكيته والمتلف عدمها ، صدّق المتلف بيمينه لأنّ الأصل عدم التّذكية .
وقال الحنابلة: لا يلزم ردّ جلد ميتة غصب لأنّه لا يطهر بدبغ على الصّحيح من المذهب ، ويتّجه باحتمال قويّ أنّه يلزم ردّه أي جلد الميتة الّذي دبغ إن كان باقيًا لمن يرى طهارته .
خامس عشر: القطع بسرقة الجلد:
20 -جلد الحيوان المأكول المذكّى ، مال طاهر يقطع سارقه إذا بلغت قيمته ما يقطع فيه مع توفّر بقيّة الشّروط لإقامة حدّ السّرقة ، وبهذا قال الفقهاء .
أمّا جلد الميتة قبل دبغه فلا قطع في سرقته باتّفاق الفقهاء .
وجلد الميتة بعد دبغه يقطع في سرقته عند المالكيّة والشّافعيّة بشروط القطع ، لكنّ عبارة المالكيّة في القيمة الّتي يقطع فيها: جلد ميتة المأكول أو غيره يقطع سارقه بعد الدّبغ إن زاد دبغه على قيمة أصله نصابًا ، بأن يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به فإذا قيل: درهمان فيقال: وما قيمته مدبوغًا فإذا قيل: خمسة قطع ، فإن لم يبلغ بعد دبغه نصابا لم يقطع سارقه كما لو سرقه غير مدبوغ .
وقال محمّد بن الحسن: لو سرق جلود السّباع المدبوغة وقيمتها مائة لا يقطع ، ولو جعلت مصلّاة أو بساطا قطع لأنّها خرجت من أن تكون جلود السّباع لتغيّر اسمها ومعناها .