12 -العبد المملوك لا يجب عليه الحجّ ، لأنّه مستغرق في خدمة سيّده ، ولأنّ الاستطاعة شرط ولا تتحقّق إلاّ بملك الزّاد والرّاحلة ، والعبد لا يتملّك شيئا ، فلو حجّ المملوك ولو بإذن سيّده صحّ حجّه وكان تطوّعا لا يسقط به الفرض ، ويأثم إذا لم يأذن له سيّده بذلك . ويجب عليه أن يؤدّي حجّة الإسلام عندما يعتق ، للحديث السّابق .
( الشّرط الخامس ) : الاستطاعة:
13 -لا يجب الحجّ على من لم تتوفّر فيه خصال الاستطاعة لأنّ القرآن خصّ الخطاب بهذه الصّفة في قوله تعالى: { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا } .
وخصال الاستطاعة الّتي تشترط لوجوب الحجّ قسمان: شروط عامّة للرّجال والنّساء ، وشروط تخصّ النّساء . القسم الأوّل: شروط عامّة للرّجال والنّساء: شروط الاستطاعة العامّة أربع خصال: القدرة على الزّاد وآلة الرّكوب ، وصحّة البدن ، وأمن الطّريق ، وإمكان السّير . الخصلة الأولى:
14 -تشترط لوجوب الحجّ القدرة على الزّاد وآلة الرّكوب ، والنّفقة ذهابا وإيابا عند الجمهور ومنهم الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويختصّ اشتراط القدرة على آلة الرّكوب بمن كان بعيدا عن مكّة . قال في"الهداية": وليس من شرط الوجوب على أهل مكّة ومن حولها الرّاحلة لأنّه لا تلحقهم مشقّة زائدة في الأداء ، فأشبه السّعي إلى الجمعة » . والأظهر أنّ الّذي يكون عند الحنفيّة بعيدا عن مكّة هو: من بينه وبين مكّة ثلاثة أيّام فصاعدا ، أمّا ما دونه فلا ، إذا كان قادرا على المشي"يعني مسافة القصر في السّفر . وتقدّر ب ( 81 ) كيلو متر تقريبا . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فهو من كان بينه وبين مكّة مرحلتان ، وهي مسافة القصر عندهم . وتقدّر عندهم بنحو المسافة السّابقة ."
15 -وقد وقع الخلاف بين العلماء في شرطيّة الزّاد وآلة الرّكوب لوجوب الحجّ ، وكانوا يركبون الدّوابّ . لذلك عبّروا بقولهم: الزّاد والرّاحلة"وهي الجمل المعدّ للرّكوب لأنّه المعروف في زمانهم . وهذا الخلاف في أمرين: الأمر الأوّل: خالف المالكيّة الجمهور في اشتراط القدرة على الرّاحلة وإن كانت المسافة بعيدة فقالوا: يجب عليه الحجّ إذا كان صحيح البنية يقدر على المشي بلا مشقّة عظيمة ، وهو يملك الزّاد . واستدلّ المالكيّة بقول اللّه تعالى: { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا } . وجه الاستدلال أنّ"من كان صحيح البدن قادرا على المشي وله زاد فقد استطاع إليه سبيلا فيلزمه فرض الحجّ » . واستدلّ الجمهور بما ورد من الأحاديث الكثيرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه فسّر السّبيل باستطاعة الزّاد والرّاحلة ، مثل حديث أنس: { قيل يا رسول اللّه ما السّبيل ؟ قال: الزّاد والرّاحلة } . فقد فسّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم الاستطاعة المشروطة"بالزّاد والرّاحلة جميعا"وبه تبيّن أنّ القدرة على المشي لا تكفي لاستطاعة الحجّ » .
الأمر الثّاني: اختلف العلماء في الزّاد ووسائل المواصلة هل يشترط ملكيّة المكلّف لما يحصّلها به أو لا يشترط ؟ فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ ملك ما يحصّل به الزّاد ووسيلة النّقل ( مع ملاحظة ما ذكرنا عند المالكيّة ) شرط لتحقّق وجوب الحجّ ، وفي هذا يقول ابن قدامة: ولا يلزمه الحجّ ببذل غيره له ، ولا يصير مستطيعا بذلك ، سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيّا ، وسواء بذل له الرّكوب والزّاد ، أو بذل له مالا » . وذهب الشّافعيّ فيما يروى عنه إلى أنّه يجب الحجّ بإباحة الزّاد والرّاحلة إذا كانت الإباحة ممّن لا منّة له على المباح له ، كالوالد إذا بذل الزّاد والرّاحلة لابنه .
( شروط الزّاد وآلة الرّكوب ) :
16 -ذكر العلماء شروطا في الزّاد وآلة الرّكوب المطلوبين لاستطاعة الحجّ ، هي تفسير وبيان لهذا الشّرط ، نذكرها فيما يلي:
أ - أنّ الزّاد الّذي يشترط ملكه هو ما يحتاج إليه في ذهابه وإيابه من مأكول ومشروب وكسوة بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير ، فلو كان يستطيع زادا أدنى من الوسط الّذي اعتاده لا يعتبر مستطيعا للحجّ ، ويتضمّن اشتراط الزّاد أيضا ما يحتاج إليه من آلات للطّعام والزّاد ممّا لا يستغني عنه . واعتبر المالكيّة القدرة على الوصول إلى مكّة ، ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به ، ولا تزري بمثله ، أمّا الإياب فلا يشترط القدرة على نفقته عندهم إلاّ أن يعلم أنّه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه ولو شكّا ، فيراعى ما يبلّغه ويرجع به إلى أقرب المواضع لمكّة ، ممّا يمكنه أن يعيش به بما لا يزري به من الحرف .
ب - صرّح الفقهاء بأنّه يشترط في الرّاحلة أن تكون ممّا يصلح لمثله إمّا بشراء أو بكراء . وعند المالكيّة"لا يعتبر إلاّ ما يوصّله فقط"، إلاّ أن يكون عليه مشقّة فادحة فيخفّف عنه بما تزول به المشقّة الفادحة . وهذا المعنى ملحوظ عند غيرهم فيما يصلح لمثلة إذا كان يشقّ عليه مشقّة شديدة فيخفّف عنه بما يزيلها . ج - إن ملك الزّاد ووسيلة النّقل يشترط أن يكون فاضلا عمّا تمسّ إليه الحاجة الأصليّة مدّة ذهابه وإيابه ، عند الجمهور . أمّا المالكيّة فاعتبروا ما يوصّله فقط ، إلاّ أن يخشى الضّياع ، وهو بناء على وجوب الحجّ على الفور عندهم . وفي هذا تفصيل نوضّحه في الأمور الّتي تشملها الحاجة الأصليّة .
خصال الحاجة الأصليّة:
17 -خصال الحاجة الأصليّة ثلاث: