أ - نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدّة ذهابه وإيابه عند الجمهور ( خلافا للمالكيّة كما نوضّح في الخصلة التّالية ) ، لأنّ النّفقة حقّ للآدميّين ، وحقّ العبد مقدّم على حقّ الشّرع . لما روى عبد اللّه بن عمرو عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: { كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت } .
ب - ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن ، وممّا لا بدّ لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه بقدر الاعتدال المناسب له في ذلك كلّه ، عند الجمهور خلافا للمالكيّة أيضا . وقال المالكيّة في هاتين الخصلتين: يبيع في زاده داره الّتي تباع على المفلس وغيرها ممّا يباع على المفلس من ماشية وثياب ولو لجمعته إن كثرت قيمتها ، وخادمه ، وكتب العلم ولو محتاجا إليها . وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم ، فلا يراعي ما يؤول إليه أمره وأمر أهله وأولاده في المستقبل ، وإن كان يصير فقيرا لا يملك شيئا ، أو يترك أولاده ونحوهم للصّدقة ، إن لم يخش هلاكا فيما ذكر أو شديد أذى » . وهذا لأنّ الحجّ عندهم واجب على الفور كما قدّمنا .
ج - قضاء الدّين الّذي عليه ، لأنّ الدّين من حقوق العباد ، وهو من حوائجه الأصليّة ، فهو آكد ، وسواء كان الدّين لآدميّ أو لحقّ اللّه تعالى كزكاة في ذمّته أو كفّارات ونحوها . فإذا ملك الزّاد والحمولة زائدا عمّا تقدّم - على التّفصيل المذكور - فقد تحقّق فيه الشّرط ، وإلاّ بأن اختلّ شيء ممّا ذكر لم يجب عليه الحجّ .
18 -ويتعلّق بذلك فروع نذكر منها:
أ - من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته ، بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدّار الواسعة لوفّى ثمنه للحجّ يجب عليه البيع عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . ولا يجب عليه بيع الجزء الفاضل عند الحنفيّة .
ب - كذلك لو كان مسكنه نفيسا يفوق على مثله لو أبدل دارا أدنى لو في تكاليف الحجّ يجب عليه عند الثّلاثة ، ولا يجب عند الحنفيّة .
ج - من ملك بضاعة لتجارته هل يلزمه صرف مال تجارته للحجّ ؟ ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط لوجوب الحجّ بقاء رأس مال لحرفته زائدا على نفقة الحجّ ، ورأس المال يختلف باختلاف النّاس ، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا أكثر ، لأنّه لا نهاية له . وعند الشّافعيّة قولان: الأصحّ أنّه يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحجّ ولو لم يبق له رأس مال لتجارته . وهو مذهب المالكيّة كما سبق نقل كلامهم .
د - إذا ملك نقودا لشراء دار يحتاج إليها وجب عليه الحجّ إن حصلت له النّقود وقت خروج النّاس للحجّ ، وإن جعلها في غيره أثم . أمّا قبل خروج النّاس للحجّ فيشتري بالمال ما شاء ، لأنّه ملكه قبل الوجوب على ما اختاره ابن عابدين .
هـ - من وجب عليه الحجّ وأراد أن يتزوّج وليس عنده من المال إلاّ ما يكفي لأحدهما ، ففيها التّفصيل الآتي:
1 -أن يكون في حالة اعتدال الشّهوة ، فهذا يجب عليه تقديم الحجّ على الزّواج عند الجمهور ، إذا ملك النّفقة في أشهر الحجّ ، أمّا إن ملكها في غيرها فله صرفها حيث شاء . أمّا الشّافعيّة فالصّحيح عندهم أنّه يلزمه الحجّ ويستقرّ في ذمّته ، وله صرف المال إلى النّكاح وهو أفضل .
2 -أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزّنى ، فهذا يكون الزّواج في حقّه مقدّما على الحجّ اتّفاقا .
و - قال ابن عابدين في حاشيته: تنبيه: ليس من الحوائج الأصليّة ما جرت به العادة المحدثة لرسم الهديّة للأقارب والأصحاب ، فلا يعذر بترك الحجّ لعجزه عن ذلك ... » . وهذا لا يتصوّر فيه خلاف بعد ما ذكرناه ، وهو يدلّ على إثم من أخّر الحجّ بسبب هذه التّقاليد الفاسدة .
الخصلة الثّانية للاستطاعة: صحّة البدن:
19 -إنّ سلامة البدن من الأمراض والعاهات الّتي تعوق عن الحجّ شرط لوجوب الحجّ . فلو وجدت سائر شروط وجوب الحجّ في شخص وهو مريض زمن أو مصاب بعاهة دائمة ، أو مقعد أو شيخ كبير لا يثبت على آلة الرّكوب بنفسه فلا يجب عليه أن يؤدّي بنفسه فريضة اتّفاقا . لكن اختلفوا هل صحّة البدن شرط لأصل الوجوب ، أو هي شرط للأداء بالنّفس: ذهب الشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان من الحنفيّة إلى أنّ صحّة البدن ليست شرطا للوجوب ، بل هي شرط للّزوم الأداء بالنّفس ، فمن كان هذا حاله يجب عليه الحجّ ، بإرسال من ينوب عنه . وقال الإمامان أبو حنيفة ومالك: إنّها شرط للوجوب ، وبناء على ذلك لا يجب على فاقد صحّة البدن أن يحجّ بنفسه ولا بإنابة غيره ، ولا الإيصاء بالحجّ عنه في المرض . استدلّ الأوّلون: بأنّه صلى الله عليه وسلم فسّر الاستطاعة بالزّاد والرّاحلة ، وهذا له زاد وراحلة فيجب عليه الحجّ . واستدلّ أبو حنيفة ومالك بقوله تعالى: { من استطاع إليه سبيلا } وهذا غير مستطيع بنفسه فلا يجب عليه الحجّ . 20 - وتفرّع على ذلك مسائل ، نذكر منها:
أ - من كان قادرا على الحجّ بمساعدة غيره كالأعمى ، وجب عليه الحجّ بنفسه إذا تيسّر له من يعينه ، تبرّعا أو بأجرة ، إن كان قادرا على أجرته ، إذا كانت أجرة المثل ، ولا يكفيه حجّ الغير عنه إلاّ بعد أن يموت . ومن لم يستطع الحجّ بنفسه بمساعدة غيره وجب عليه أن يرسل غيره ، ليحجّ عنه . ويجب على المريض أن يوصي بالحجّ عنه بعد موته . هذا على مذهب الصّاحبين والجمهور . أمّا على مذهب أبي حنيفة فلا يجب عليه شيء ، لأنّ الحجّ غير واجب عليه . أمّا المالكيّة فقد وافقوا الجمهور في هذه المسألة ، لكن على أساس مذهبهم في مسألة الرّكوب السّابقة ( فقرة 15 ) وأوجبوا عليه المشي إن كان يقدر على المشي .